قيم الإسلام وآدابه

العفة في الإسلام

العفة

كان ثلاثةُ نَفَرٍ يتماشَونَ فنزل عليهم المطرُ، فدخلوا إلى غار في الجبل، فوقعت على فتحة دخولهم للغار صخرةٌ منَ الجبلِ فأغلقت عليهم، فقال بعضُهم لبعض: انظروا أعمالاً صالحة عملتُموها لله فادعوا الله بها ( تقربوا لله بها) لعله يفرجها، فقال أحدهم: اللهمَّ إِنِّي كنتُ استأجرتُ أجيرًا بفَرَقِ أَرُزّ، فَلمَّا قضى عمله قال أعطني حقي، فعرضتُ عليهِ حقَّهُ فتركه ورغِبَ عنه، فلم أزَلْ أزرعُهُ حتَّى جمعتُ منهُ بقَرًا وراعِيَها، فجاءني فقال: اتَّقِ اللَّهَ ولا تظلمني وأعطني حقي، فقلتُ: اذهب إلى تلك البقر وراعيها، فقالَ: اتَّقِ اللَّهَ ولا تهزأ بي، فقلتُ: إنّي لا أهزأُ بك، فخُذْ تلك البقر وراعيها، فأخذه فانطلق بها، فإن كنتَ تعلَمُ أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج ما بقي ففَرِّجَ اللَّهُ عنهم» (رواه البخاري).

 نَمَّى مالُ الأجير عندَ الرّجلِ وهو لا يعلمُ، فهل يستحقُ هذا المال؟ نعم

 هل كان بإمكانِ الرّجلِ أنْ يُعطي الأجيرَ ما اتفقا عليهِ فقط نعم.

 ما أهم صفة تراها في هذا الرجل؟  الأمانة و حفظ حقوق الأجير

مفهوم العفة

العفّةُ خلق إسلامي رفيع، تتكامل فيه جميعُ الأخلاق الكريمة، فمنْ عفَّ عن الكذب التزم الصدق، ومنْ عفّ عن الخيانة صارَ صاحبَ أمانة، ومنْ عفَّ عن الفواحش تربَّعَ في الشَّرفِ، وكلَّما التزم المسلمُ خُلقا كريمًا زادت عفّتُهُ، فالعفّةُ تَرْلُ ما لا يليقُ، والبعد عمّا يَخرمُ مروءة الإنسان، ويمكن تلخيص المروءة بأنها مكارم الأخلاق التي جاءَ صلى الله عليه وسلم ليتمِّمَها، فقالَ: «إِنَّما بُعِثْتُ لأتمم مكارم الأخلاقِ» (الموطأ)، فانظر إلى الكرام وإلى مكانتهم بينَ النَّاسِ، وحبَّ النَّاسِ لهم.

معنى العبارة التالية: «تزلُ ما يَهْوى لما يَخْشَى»:

يدع ما تميل عليه النفس من الشهوات خوفا من الله ( المسكرات- النظر المحرم – الكسب غير مشروع تركها خشية الوقوع في الإثم و غضب الله عليه العبادة تلخص لمفهوم العفة : ترك ما لا يليق ترك هوى النفس  و هو مما لا يليق  للشرع والعرف و القيم يكون عفة للنفس و حفظ للمروءة.

أهمية العفة

1- رضا الله تعالى وعونه و حفظه.

2- انتشار الأمن و الثقة بين الناس.

 3- المودة و التعاون، و انحسار الجريمة.

 4 – سلامة الأبدان و البيئة.

5 طمأنينة النفس واتزان الشخصية.

أنواع العفة

ينظر الناسُ إلى العفّة على أنها الشّرفُ وصونُ الأعراض، ولكن العفّة أشمل من ذلك، فتكونُ في الأقوالِ والأفعال جميعًا، وقد قسمها العلماء إلى:

اقرأ أيضاً  آداب الدعاء

أولاً: العفّةُ عن المحارم تشمل: الفرج وحفظ اللسانِ.

ثانياً: عفّة عن المآثم فتشمل: الكفّ. المجاهرة، والكف عن الخيانة.

الشرح والتفصيل:

أولاً: العفّةُ عن المحارم:

وتعني عقة الفرج وطهارته، ومعنى عفة الفرج صونه بالبعد عن الزنا والبعد عن كل ما يقرب إليه:

يقول الله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزكَى لهَم ﴾ [النور: 30]، فهو أمرٌ منَ الله تعالى بغض البصر وحفظ الفرج، للرجال والنساء، للكبار والصغار، فيهِ طهارةُ النّفس والجسد، ونقاءُ النسب، ورضا الله تعالى أولا وأخيرًا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَنْ وقاهُ اللَّهُ شَرَّ ما بين لحييه وشر ما بين رجليْهِ دخل الجنَّةَ» (الترمذي).

كيفية عفة الفرج

تكونُ عفّةُ الفرج بالبعدِ عنِ الزّنا، وتجنّب أسبابِهِ، مِنَ النَّظر إلى ما هو محرَّم (نظرُ الرّجل للمرأة، ونظر المرأة للرجل)، ومثل ذلك مشاهدة الصور والأفلام، أو الكلام بما لا يجوزُ، ومثلُهُ الكلامُ بالهاتف أو على مواقع التواصل أو الكتابة أو القراءة؛ لأنها من دواعي إثارة الخيال والغرائز، ولها تأثير بالغ على الدماغ، وتسبب الأمراض النفسية والخُلقية، فالبعد عنها يعين على العفّة عموما وعفّةِ الفرج خُصوصًا. كذلك البعد عن التبرّج، والتقليد الأعمى في المظهر والمسلك.

ما يعين على عفة الفرج

الصحبةُ الطَّيِّبةُ، وأداءُ الطَّاعات، وحضور المحاضرات التوعوية والتربية الصحيحةُ والصّراحةُ  َمعَ الأهل والأقارب، والترابط الأسري والمجتمعي.

 وحفظ الفرج لا يعني بحال من الأحوال القضاء(  ليس معناه كبت الشهوة في الحلال) على الفطرة أو كره النساء, فهذهِ العلاقةَ سببُ لبقاء الإنسان على الأرض، وحفظ الفرج معناه ضبط العلاقة الفطرية في حدود ما شرعه الله، وبما يناسب آدمية الإنسان، ويميّزُهُ عنْ غيرِه من المخلوقات، قال تعالى: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) [النور: 33]، وقال صلى الله عليه وسلم: ( تزوجوا الودود الولود، فإنِّي مُكاثر بكمُ الأمم» (أبو داود) ، وهذا انسجام مع الفطرة السوية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا معشرَ الشَّبابِ، مَنِ استطاع منكُمُ الباءةَ فَلْيَتَزَوَّجُ، ومَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَليهِ بالصّومِ فَإِنَّه له وجاء).

 فالعلاقة بين العبادة والعفّة: فالعبادة تعين على الوصول إلى العفة.

عفّة الجوارح إكرام للنفس:

جوارح الإنسان أدواتُ أفعاله، وهي البصر والسمعُ واللسانُ واليد والرّجلُ، وكلُّ منها تتحقق فيه العفّةُ بالتنزه عما حرم الله تعالى، والترفع عمّا يسيء إلى سمعة الشخص، فيرتقي فعل الإنسان إلى المكارم، ويتجنّبُ الخِسَةَ والدناءاتِ، ولكلّ جارحة صور من العفّة تختص بها، إلا أنها تتكامل في تكوينِ الشَّخصيّة العفيفة الكريمة، فمثلا:

يُعِفُ بصرَهُ: فلا يهتك ستر الآخرين بنظره، ولا يتتبع عوراتِ النَّاسِ، ولا ما حَرَّمَ اللهُ النَّظر إليهِ. ويُعِفُ سمعَهُ: فيكرمُهُ عن سماع اللغو، والغيبة، والنميمة.

اقرأ أيضاً  أدب الحوار

ويُعِفُّ لسانَهُ: فلا يخوضُ في الأعراض، وترويج الإشاعات ويتجنّب بذيء الكلام في الجد والهزل، قال تعالى:

( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ [الفرقان: 72].

ويعف يدَهُ: عن البطش بالآخرين، وإلحاق الأذى بهم أو بأموالهم بأي شكل من الأشكال ويعف رجلَهُ: عن السعي إلى أماكن الرّيبة، وفعل ما يغضب الله تعالى، ومواطنِ الذُّلة كالتسول..

فمن يطيل النظرة إلى النِّساءِ في الأسواق، وحجَّتُهُ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: النظرة الأولى لك تقول له أنَّ النظرة الأولى هي العابرة وأمَّا إدامة النظر فهي محرمة لا تُتبع النظرة النظرة، فإنَّما لَكَ الأولى وليست لك الآخِرة.

في العمل تحاول إقناع زميلتها بأن تسجل ساعات إضافيةً بدون وجه حق، بحجة أن راتبها لا يكفيها. لا يجوز، لأن الفقر لا يُحل لها أخذ ما لا يحل وعليها القناعة بما قسم لها و التعفف عن المال الحرام.

ثانياً: العفّة عن المأثم:

أفعال الإنسان من نتاج جوارحِهِ، فإذا اكتملت عفّةُ الجوارح، اكتملت العفّةُ في الأَفعالِ، إِلَّا أَنَّ هناكَ مِنَ الطباع ما ينالُ منَ العفّة، كالأنانيّة والاتكالية، والحسد والطمع والشّراهة وكتمان الحق وغيرها، فهيَ ممّا لا يليقُ بشخص المسلم، وعليه أن يقي نفسَهُ الوقوع فيها، وأن يتخلص منها إن وجد شيئًا منها في نفسه، وكما يربّي الأهلُ أبناءَهُمْ على العفّةِ، يربّي الإنسانُ نفسَهُ على الطباع الراقية، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّما العلمُ بالتَّعلُّم، وإنما الحِلمُ بالتَّحلُّمِ ومن يتحرَّ الخيرَ يُعطَهُ، ومَنْ  َيتَّقِ الشَّرِّ يوقَهُ» (الجامعُ الصَّغِيرُ).

ما يعين على عفة المأثم

1- صيانة النفس وحفظها بالعمل الحلال، قال تعالى: “هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رزْقِهِ” (الملك: 15).

2- حمل النفس على كرائم الطباع وعزائم الأمور، قال تعالى: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [الشورى: 43].

3- تجنّب الظلم والخيانة والغدر قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخائنِينَ ﴾ [الأنفال: 58].

4- ترلُ الظَّنِّ السَّيِّء قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ [الحجرات: 12]

قال  النبي صلى الله عليه وسلم: « المُسلِمُ مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانِهِ ويدِهِ، والمهاجرُ مَنْ هَجَرَ ما نهى الله عنه» (البخاري)

نتائج فقدان العفة

1- الضلال وضياع كرامة الإنسان.

2- فقدان الأمانِ وانعدامُ الثَّقَةِ بينَ النَّاسِ.

3- انتشار العداوة والبغضاء، وظهور الجريمة.

4- شيوعُ الفاحشة وانتشار الأمراض والأوبئة.

5- الاضطرابات النفسية بسبب القلق والشَّك.

نماذج للعفّة

قالت أم سلمة رضي الله عنها فارتحلت بعيري، ثم أخذتُ ابني فوضعتُهُ في حجري، ثم خرجتُ أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلقِ اللهِ، قالت: قلتُ: أتبلَّغ بمن لقيتُ حتَّى أَقْدَمَ على زوجي؛ حتّى إذا كنتُ بالتنعيم لقيتُ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبدِ الدَّارِ، فقال: أينَ يا بنتَ أبي أمية؟ قالت: أريد زوجي بالمدينة، قالَ: أَوَ ما معكِ أحدٌ؟ قلتُ: لا والله، إلّا الله وابني هذا، قالَ: والله ما لكِ مِنْ مَتْرَكِ، فأخذَ بخطام البعير فانطلق يهوي به، فوالله ما صحبتُ رجلا من العرب قط كانَ أكرم منهُ كانَ إذا بلغ المنزل أناخَ بي ثُمَّ استأخرَ عنِّي، حتّى إذا نزلنا استأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيَّدَهُ في الشَّجرة، ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا قالت: الرّواحُ قامَ إلى بعيري فقدمَهُ فرحَلَهُ، ثم استأخر عنّي، فقال: اركبي، فإذا ركبتُ فاستويْتُ على بعيري أتى فأخذ بخطامِهِ فقادَ بي حتى ينزل بي، فلم يزل يصنعُ ذلك بي حتّى أوصلني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بنِ عوف بقباء( قرب المدينة) قال: زوجُكِ في هذه القرية  وكان أبو سلمة في هذه القرية فعلى بركة الله ادخليها, ثم انصرف راجعا إلى مكة، قال: وكانتْ تقولُ: ما أعلمُ أهل بيت في الإسلام أصابَهُمْ ما أصابَ أبا سلمة، وما رأيتُ صاحبًا قطُّ كَانَ أكرمَ من عثمان بن طلحة. (سيرة ابن هشام)

اقرأ أيضاً  التسامح في الإسلام

قال تعالى: ( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَاي إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُون ) (يوسف: 23)

شخوص القصّة هم نبي الله يوسف و زوجة العزيز.

مظهر العفّة فيها رفض سيدنا يوسف الوقوع في الزنا رغم توفر كل الظروف.

نوعُ العفّة فيها عفة الفرج .

الوسائل المعينة على العفّة فيها:

 تقوى الله ذكر الله تعالى – المروءة ه كراهية الظلم.

ويقصد بقوله تعالى (إِنَّهُ رَبِّ) احتمالين:

الأول الله عز وجل.

الثاني عزيز مصر سيد يوسف.

فالنَّصَّ التالي فيه مظهرا من مظاهر العفّة ومجالا من مجالاتها: لما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف صلى الله عليه وسلم: علِمَتِ الأنصارُ أنّي أكثرُهُمْ مالا، فأقسمه بيني وبينك، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: بارك الله لك في أهلِك ومالك، دُلّني على السوق.

فمظهر العفة في النص السابق: تعفف عبد الرحمن بن عوف عن أخذ مال أخيه رغم حاجته إليه، ومجالها هو المال.

فالمجتمع الذي تسوده العفّةُ مجتمع قوي متماسك، يتمتع أفراده بالأمن، وتتظافر جهودهم في سبيل رفعة وطنهم ورفع مستوى معيشتهم، ويتعاونون على البر والتقوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى