الوحي الإلهي ( قرآن وسنة )

القلب وصلاح الإنسان

القلب وصلاح الإنسان

هناك نباتات تتغذى على الحشرات، لكنّها ثابتة في مكانها فلا تستطيع ملاحقة

الحشرات المتنقلة من مكان إلى آخر، لذلك تستخدم مظهرها بألوانها الزاهية

ورائحتها النفاذة لجذب الحشرات إليها، حيثُ يوحي مظهرها بوجودِ طعام في قلب الزهرة، فتسعى الحشرة للوصول إلى مكانِ الطَّعامِ، وكلّما تعمقت الحشرة في الزهرة ازدادت الرائحة، لتتفاجأ بسائل لزج في قلبِ الزّهرة، فتعلقُ بهِ الحشرة ولا تقدر على الفكاكِ منه، وتبقى حتّى تموتُ ويتحلل جسدها، فتتغذى النبتة عليه، فَشكل هذا النّبات لا يدلُّ على حقيقته، وجمال مظهره ورائحته مصيدة لضحاياه.

عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

( إِنَّ الله لا ينظر إلى صورِكُمْ وأموالِكُمْ ، ولَكِن ينظر إلى قلوبِكُمْ وأعمالِكُمْ).( صحيح مسلم)

دلالات الحديث الشريف:

أولاً: الجوهر أصدقُ من المظهر:

يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّ الله تعالى لا يُحاسب النّاسَ على شكل أجسامهم أو ألوانهم أو ملامحهم؛ لأنَ الإنسان لا دخلَ لهُ في ذلك كله، ولم يفعل منه شيئًا، بل هذا خلق الله تعالى، ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ ) (المؤمنون: (14) فالّذي خلق الطويل والقصير، والأبيض والأسود، والجميل وغيرَ الجميل هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهوَ أرحم منْ أنْ يُحاسبنا على ما لم نفعل، وإنّما يُحاسب الإنسان على ما عمل بناءً على ما نوى في قلبه، فهوَ مسؤول عن قصدِهِ ونيّتِهِ ، ويتحمّل نتيجةَ عملِهِ ، ولأنَّ النّيّةَ مِنْ عملِ القلبِ، فإنَ اللَّهُ تَعَالَى يَنظُرُ إِلى القلبِ، لأن كل الأعمال صادرت عن القلب، فإِنَّ وَقَعَ الفعل دونَ نيّةٍ سُميَّ ( خطأ).

 ومحاسبة الإنسان على ما في قلبه، أمرٌ يختص بِهِ الله تعالى فقط، لأنه وحده سبحانه: ( عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) (التغابن: 4).

اقرأ أيضاً  التعايش بين الناس

أما الناس فيحكمونَ على الظاهرِ منْ خلالِ الأدلّةِ، لأنَّ ظاهر الإنسانِ قد يخدعُ أحيانًا، فقد تكون ملامح شخص ما توحي بالقسوة، وهوَ في الحقيقة إنسان لطيف، وقد تجد ملامح أحدهم تدلُّ على أنه مسكين، ويكون شخصًا محتالًا، فَينبغي للمسلم أنْ يكونَ كَيْسٌ فَطِنٌ كَما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وَقد قالوا في وصفِ أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه : ( كانَ عُمَرُ أَعْقَلَ مِنْ أَنْ يُخْدَعَ، وَأَوْرَعَ مِنْ أَنْ يَخْدَعَ ).

 

ثانياً: أحوال القلب:

أولا: القلب السليم

قالَ تَعَالَى: ( إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبِ سَلِيمٍ ) (الشعراء)، وَهوَ القلبُ العامرُ بالإيمانِ وحب الخير، فترى صاحبَهُ يطيعُ ربَّهُ، ويُعامل النَّاسَ بلطف واحترام وبالكلام الطيب، ويكف الأذى عن نفسه وعن مجتمعِهِ.

ثانيا: القلب المريضُ:

قالَ تَعَالَى: ( فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ) (البقرة: 10)، وهو القلب الممتلئ شرا، فصاحبُهُ لا يحبُّ الخير لأحد، فيسيء للنَّاسِ بکلامه ويؤذيهم بفعاله.

ثالثاً القلب المطمئن يقول تعالى: ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

رابعاً القلب الذي يتدبر القرآن: يقول تعالى: ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) محمد( 24)

خامساً القلب الخائف الوجل: يقول تعالى: ( ….وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ) (المؤمنون  (60).

سادساً القلب الذي يتقي الله: المعظم شعائر الله قال تعالى: ( ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) الحج (32 ).

سابعاُ القلب الغافل اللاهي قال تعالى: ( لاهية قلوبهم) الأنبياء (3).

ثامناً القلب المذنب الآثم قال تعالى: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) البقرة (283).

ثالثاً: الاهتمام بالمظهر:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ الله جميل يحبُّ الجمال) (رواه مسلم)، فواجب المسلم أن يحافظ على مظهره، لأَنَّهُ يُمثَلُ دينَهُ ونفسَهُ وأهلَهُ ووطنَهُ، وَمَنْ واجِبِهِ أنْ يُعطي صورةً جميلةً عنْ كلّ ذلك في مظهره، من حيث نظافة جسمِهِ وثيابه، وطيب رائحتِهِ وتهذيب شعره، ويجب عليه أن يتجنب ما حرّمَ الله تعالى وما لا يليقُ به، فمثلا لا يتشبهُ الرّجلُ بالمرأة، ولا تتشبه المرأةُ بالرّجل، ويُداوم على الخلق الحسن حتّى يعرفُ من يراه أنَّ هذا منْ أخلاقِ دينِهِ وسلوك طبيعي له كفردٍ من أبناء هذا الوطن، أو يعيشُ في هذا المجتمع، وبهذِهِ النّيّةِ التّابعةِ منَ القلبِ يستحق صاحبُها الثَّوابَ والأجرَ، وهذهِ هِيَ الزِّينةُ الَّتِي أَمرَ الله بها عباده فقالَ: ( يَا بَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ )(الأعراف).

اقرأ أيضاً  المؤمن بين الشكر والصبر

رابعاً: لا ينظر الله إلى الأموال:

الرزاقُ هوَ الله تَعَالى يرزقُ المؤمنَ وغير المؤمن، ومهما بلغَتْ أموال الإنسان فإنَّ الله لا يُحاسِبُهُ على كثرتها أو قلتِها، ولكن يحاسبُهُ على تَصرّفه بهذهِ الأموالِ منْ أينَ اكتسبها؟ وَفِيمَ أنفقها؟ والإسلام يحثُ المسلم على أنْ ينمّي مالَهُ، وأنْ يُحافظ عليهِ، وَترَكَ لهُ أنْ يتصرّفَ بِهِ كما يشاءُ مِنْ غيرِ إسراف ولا تقتير، وأن يؤدي ما عليه من حقوق وواجباتٍ في هذا المال، ولا يُؤذي بهِ أحدًا.

خامساً: تزكية القلب:

روى أبو هريرة رضي الله عنه ، أنَّ رجلًا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال صلى الله عليه وسلم : ( امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه فيقول: ( يا مُقلّب القلوب ثبت قلبي على دينك ).

وقال تعالى تعليمًا لعبادِهِ الدّعاءَ: ( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ) (آل عمران). فهذه طرائق مادية ومعنوية لتطهير القلبِ منَ الشّرورِ، وزيادة الخير فيهِ، فقد تمرُّ بالإنسان ظروف تشغله، وقد يتعرّض لمواقف تضعف فيها عزيمتُهُ، فيعالجُ كلُّ ما يعتري القلب بالدعاء إلى الله تَعالى، وطاعته، وبعمل الخير ونبذ الشّرِ وقدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وماذا بعد؟! لا بد من العناية بالقلب وسلامته، كما بيّنَ لنا الله تعالى:( أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَينُ الْقُلُوبُ ) (الرعد: 28).

طرائق تزكية القلب:

نوعان:

معنوية: وتكون بالدعاء وطاعة الله تعالى وطاعة رسوله.

مادية: وتكون بعمل الخير ونبذ الشر ومساعدة المحتاجين وتقديم العون للمحتاج.

زر الذهاب إلى الأعلى