السيرة والأعلام

رسول الله والحياة الاجتماعية

رسول الله والحياه الاجتماعيه لقد شارك النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته في المناسبات العامة كبناء الحجر الأسود، كما شارك في حلف الفضول حيث اجتمعت بنو تَيْم بن مرة، وبنو هاشم وزهرة، في دارِ عبدِ اللهِ بن جدعان فجهّزَ لهُمْ طعامًا، وتحالفوا( تعاهدوا) في شهرٍ من أشهر الله الحرامِ، وهو ذو القعدة، فتعاقدوا وتحالفوا بالله ليكونُنَّ يدا واحدة حتى يُردَّوا الحق للمظلوم، ويقفوا في وجه الظالم، وقد حضر النبي هذا الحلف الذي يعتبر من مفاخرِ العرب واعترافاهم بحقوقِ الإنسان. وقال صلى الله عليه وسلم : [ لقد شهدتُ في دارِ عبدِ اللهِ بن جدعان حلفا ما أحبُّ أنَّ لي به حمر النعم ولو دُعيت به في الإسلام لأجبْتُ] (سيرة ابن هشام 134/1) وانعقاد حلف الفضول في تلك الفترة فيه دليل على وجود قيم نبيلة عند العرب قبل الإسلام كإغاثة الملهوف ومساعدة الضعيف. ومشاركة النّبي في هذا الحلف دليل على إيجابية الرسول r  وحرصه على تماسك المجتمع، وحفظ الحقوق.

أهمية الأسرة

الأسرة أساس المجتمع، الله تعالى  عز وجل أراد أن تكون أوّل علاقة بين بني آدم هي علاقة الزوجية، وأول لقاء بين البشر لقاء رجل وامرأة (أبينا آدم وأمنا حواء)، فتكونت الأسرة وكان المجتمع، وتكاثر البشر وتكون نسيج المجتمع الإنساني، قال تعالى: ( يا أيها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحدةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) النساء (1) إنَّ الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع، وصلاحها يعني صلاح المجتمع بأكمله، ومن هنا جاء اهتمام الإسلام بالأسرة، فوضعت الأسس التي تضمن سلامة الأسرة، وشرعت الأحكام، لتبقى الأسرة الحضن الدافئ والطبيعي للأبناء وتنمي القيم والأخلاق والعادات والتقاليد، ومشاركة في المجتمع بأجيال مؤمنة متزنة ومعطاءة. أول أسرة في التاريخ البشري، هي أسرة أبو البشر آدم وحواء.

حرص النبي على تماسك الأسرة

المجتمع هو مجموعةٌ منَ النَّاسِ، يرتبطون معا بالعادات والتقاليد، والأحكام الأخلاقية، ويحترمون بعضهم البعض، ويشكلون معا الحياة. لقد حرص رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على بناء لبنة المجتمع بناء قويا متماسكا إذ أنّ قوّتها ( الأسرة) بالضرورة دعامة أساسية للمجتمع، وممّا يدلُّ على حرص الرسول على تماسك أسرته كان يحرص على الأمور التالية:  أ. الإحسان إلى زوجاته، والعدل بينهنَّ، وممازحتهنَّ، وقد سابق السيدة عائشة رضي عنها أكثر من مرّة. ب –إحسانه عليه السلام إلى بناتِهِ، والرّفقُ بهنَّ، فكان عليه السلام كلما أقبلت ابنته فاطمة قامَ لاستقبالها حتى لو تكرر دخولها عليه، وكان يقبل رأسها إكرامًا لها. ج. الإحسان إلى أحفاده؛ فكانَ يُلاعبهم ويسليهم. د- الإحسان لخدمه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قالَ: “خدمتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تسع سنين، فما أعلمُـه قــال لي أُفاً قط ولا قال لي لشيءٍ فعلتَه لِمَ فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا”. (أخرجه مسلم)

اقرأ أيضاً  غزوة بدر الكبرى

الهدي النبوي في تقوية العلاقات الاجتماعيّة

1- جار يرث: تقوية الروابط بين أفراد المجتمع ليست بالهينة بل مهمة عظيمة، تمنعُ الأمراض الاجتماعية من الفتكِ به وتحفظ للمجتمع هيبته، لذلك حرص رسولُ اللهِ على تقوية الروابط بين فئات المجتمع جميعها، فاهتم النبي بالجار، فعلاقة الجار بجاره شاملة وواسعة، للغريب والقريب، والمسلم وغير المسلم’ فعن ابن عمـر رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثهُ” (رواه الشيخان) كما حذر النبي من إيذاء الجارِ، فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : “أَوَّلُ خَصْمَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَارَانِ” (أخرجه أحمد). أي أنَّ أوّلَ ما يُقضى بينهم يوم القيامة جارانِ آذى أحدهما صاحبه.

2- المُبادرة والتطوّع: شارك رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ أفراحهم وأتراحهم، وكان قدوةً حسنةً ورحمةً وطمأنينةً للنَّاسِ؛ فعن أنسِ بنِ مالك رضي الله عنه أنهم سمعوا صريحًا في المدينة من قِبَلِ سَلْعُ “سَلْعُ هو الجبل الذي في غرب المدينة”، فانطلق الناسُ مسرعين تجاه الصوتِ، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم ( قد سبق الناسَ إلى الصوتِ)، وهو يقول: ” لم تُراعوا لم تراعوا”. وهو على فرس لأبي طلحةَ عُريٍ عُنُقه ما عليه سرج،  في عنقه سيف فقال: «لقد وجدتُه بحرًا، أو إنه لبحر ». (أخرجه البخاري) ولعل الدافع الذي جعلَ النّبي يسبق القومَ إلى مصدر الصوت هو الشعور بالمسؤولية المجتمعية، وإيجابية الرسول، وحبه وإخلاصه لمجتمعه) وهناك دلالة فعلِ النَّبيِّ وذهابه لمكان الصّوتِ قبلَ النَّاسِ دليل على شجاعته، وروح المبادرة، وحماية أمن المجتمع).

3- قدوة اجتماعيّة إيجابية: لم يكتف الرّسول صلى الله عليه وسلم بتقوية أواصر المجتمع بدءًا من الأسرة ومرورًا بحسن الجوار والمبادرات الإيجابية في مجتمعه، بل تعدى ذلك ليُشاركَ النَّاسَ أعمالهم ويعيش معهم ظروفهم، ليكون واحدًا يشعر بما يشعرون، ويصيبه ما يُصيبهم، فتزداد أواصر المحبّة، وتتوثقُ عُرى الألفة بينهم مما يزيد المجتمع تماسكا.

اقرأ أيضاً  الشيخ زايد رحمه الله

4- محاربة الفقر بالصدقة على الفقراء وسد حاجتهم، فعن سهل بن حنيف، قال: “كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يأتي ضعفاء الـمسلمين، ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزَهم (صحيح الجامع)

5- الدعم النفسي  المعنوي، فعن زيد بن أرقم رضي الله عنه، قال: [ عادَني رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن  َوجَعِ كان بعيني]. (أبو داود)

6 الإيجابية من القائد فعن جابر بنِ عبدِ اللهِ قالَ: “هلـك أبـي وتــرك تسع بنات فتزوجتُ ،امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : تزوجت يا جابرُ؟. قُلْتُ: نعم، قال: (بكرًا أم ثَيْباً). قُلْتُ: ثَيْبًا، قال: “هلا جارِيةٌ تُلاعِبُها وتُلاعِبك، أو تُضاحِكُها وتُضاحِكُك”. قُلْتُ: هلك أبي فترك تسعَ بنات فكرِهْتُ أن أجيئُهُنَّ بمثلِهِنَّ، فتزوجت امرأةً تقوم عليهن، قال: (فبارَكَ اللهُ عليــك). (رواه البخاري)

7- المشاركة المجتمعية فعنِ الْبَرَاءِ رضي الله عنه، قال: “كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ أَوْ اغْبَرَّ بَطْنُهُ” . (رواه البخاري)

8- نشر السرور والفرح لإدخال السعادة على الناس، فعن عائشة رضي الله عنها أنها زفّت امرأة إلى رجل من الأنصار, فقال نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( يا عائشة، ما كانَ معكم لهوٌ، فإنَّ الأنصار يعجبهم اللهو) (صحيح البخاري).

9- الانفتاح على الآخر والدعوة للإحسان للأقارب حتى لو لم يكونوا مسلمين فعن أسماء بنت أبي بكر قالت: ” أتتني أمي راغبةً، وهي مشركة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فسألتُ: النّبيَّ أصلُها ؟ قال: نعم”. (أخرجه البخاري)

10- رعاية الطفولة فعن أنس بن مالك قال: “كان يزور الأنصار، ويسلم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم (أخرجه النسائي)

11- الرحمة في التعامل مع الناس، فعن أنس بن مالك قال: ( كنتُ أمشي مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي, فجبذَهُ بردائِهِ جبذةً شديدة، نظرتُ إلى صفحة عنق رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وقد أَثْرَتْ بها حاشية الرداء, من شدّة جبذتِهِ, ثم قال: يا محمّد مُرْ لي منْ مالِ اللهِ الّذي عندك، فالتفت إليه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فضحك، ثم أمر له بعطاء). (أخرجه مسلم)

اقرأ أيضاً  الإمام الشافعي رحمه الله

وثيقة المدينة 

بعدما هاجر الرسول من مكة إلى المدينة المنوّرة وجدَ واقع الحياة الاجتماعية واقعا مريرا، فقبيلتي الأوس والخزرج بينهم عداوة وحرب قبليّة، وبين الأوس والخزرج وبين اليهود كذلك، وبين اليهود مظالم وخلافات، جعلتهم يتحاكمون للرسول لفض تلك الحروب والنزاعات. أمام هذا الواقع، قامَ الرّسول بوضع وثيقة المدينة المنوّرة التي تعتبرُ أوّلُ تجربة سياسية في صدر الإسلام تهدف إلى إخراج المجتمع من دَوّامة الصراع القبلي إلى رحاب الأخوة والمحبّة والتسامح، إِذْ ركز على كثيرٍ من المبادئ الإنسانيّةِ النبيلة كحماية الجار، ونُصرة المظلوم، ورعاية الحقوقِ العامة والخاصة، والتّعاون في دفع الدّياتِ، ومكافحة الجريمة، ومساعدة المدين، وحرية العقيدة، إلى غير ذلك من المبادئ التي تُشعرُ أبناء الوطن الواحد بمختلف أجناسهم وأعراقهم ومعتقداتهم أجناسهم وأعراقهم ومعتقداتهم أنّهم أسرة واحدة مكلفة بالدفاع عن الوطن أمامَ أي اعتداء يفاجئهمْ منَ الخارج  فالمساواة قامت بينهم على أساس الإنسانية المشتركة، فالنّاس جميعًا متساوون في أصلِ الكرامة الإنسانية.

المؤاخاة والإيثار 

أوّل عمل قامَ بهِ النّبي عليه الصلاة والسلام في المدينة هو بناء المسجدِ ثم بعد ذلك بتشريع المؤاخاة، وتم الإعلان عن المؤاخاة في دار أنس بن مالك، وهي رابطة تجمع بين الأنصار والمهاجر، وتقوي مشاعر الحب والمودة، وتقوم على أساس العقيدة، والمواساة بالمال والمتاع ،والحماية والنصرة. قالَ تَعَالَى: [ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمانَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (9)](الحشر).

زر الذهاب إلى الأعلى