السيرة والأعلام

رعاية الرسول صلى الله عليه وسلم لأهله

رعاية الرسول صلى الله عليه وسلم لأهله

 إن الناظر في حياته صلى الله عليه وسلم الأسرية يجده يُعطي الزوجة اهتماما كبيراً ورعاية خاصةً، ويُعطيها حقوقًا كانتْ قد حُرِمَتْ منها قبل الإسلام، فاهتم المسلمون في تعاملهم مع زوجاتهم، روي أبو هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: “أكمل المؤمنينَ إيمانًا أحسنُهُمْ خُلقًا، وخيارُكُمْ خيارُكُمْ لِنِسائِهِمْ” الترمذي فإذا نظرنا إلى رعاية الرسول صلى الله عليه وسلم لأهله لوجدناه خير الناس لأهله بل ومثلا يحتذى به في التعامل معهم.

 لقد جعل النبي عليه السلام تمام الإيمان مرهونا بحسن الخلق، وأفضل صورة يظهر فيها حسنُ الخلق هِيَ في التعامل مع الزوجة، قال: “خيرُكُمْ خيرُكُمْ لأهلِهِ، وأنا خيرُكُمْ لأهل” ابنُ حِبَانِ.

 إنَّ الأفضلية تظهر في المواقف والتصرفات؛ لذلك نجده عليه الصلاة والسلام أوّلَ مَنْ يواسي زوجاتِهِ إِنْ ألمَّ بهنَّ ألَمٌ أو حزنٍ، ويمسح دموعهنَّ دموعهنَّ، ويحترم كلامهنَّ، ويسمع عليه السلام لشكواهنَّ فكان عليه السلام لهنَّ زوجا وأبا وأخا وصديقا صلوات ربي وسلامه عليه.

فكمالِ الإيمانِ يظهر في حسن معاملة المرأة، لأن كمال الإيمان يؤدي إلى أعلى درجات حسن الخلق كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع زوجاته.

تعامله عليه السلام مع أهل بيته

عاش النبي صلى الله عليه وسلم فترة من حياتِهِ زوجًا لامرأةٍ واحدةٍ، ثم أكمل بقيَّةَ حياتِهِ زوجًا لعددٍ منَ النِّساءِ؛ فضربَ أروعَ الأمثلة لكل الأزواج في كيفية التعامل مع أهل بيتهم، فقد كان لا يعيش في بيته رجلاً كبقية الرّجال كما روت السيدة عائشة رضي الله عنها عندما سُئلت عما كان النبي لا يعمل في بيته؟ قالت: «كان يكون في مهنة أهله) (البخاري).

اقرأ أيضاً  الإمام مسلم رحمه الله

 وكان عليه السلام: “يعلف ناضحه، ويقم البيت، ويعقل البعير، ويأكل مع الخادم ويعجنُ معَهُ، ويحملُ بضاعتَهُ منَ السَّوقِ، وكانَ يخيط ثوبَهُ، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم”.

وعُرِفَ عنه عليه السلام حرصه على الترفيه عن زوجاته، فكانَ يَصطَحِبَهُنَّ فِي أَسفارِهِ، فكَانَ يُسابِقُهُنَّ ويسمحُ لَهُنَّ بمشاهدة اللهو المباح، تقول عائشة أم المؤمنين  رضي الله عنها: ” لقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد ورسول الله يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم” (البخاري).

أسرار نجاح العلاقات الأسرية

1- تواضع الرجل في بيته وبين أفراد زوجته

2- كان النبي صلى الله عليه وسلم يشارك في أعمال البيتِ رغمَ أنهُ كانَ نبيًّا وسيدًا في قومِهِ ليكون قدوة للناس جميعا في كيفية التعامل مع الأسرة.

بناء اللبنة

المجتمع في المنظور النبوي هو بيت كبير لكل المسلمين، وهذا البيتُ لا بدَّ أنْ يكونَ مُحْكَمَ البناء؛ لذلك اهتم النبي اهتماما بالغا ببناء اللبنة الأساسية في المجتمع وهي الأسرة، وقد ظهر اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتأسيس أسرته النبوية الشريفة واضحًا من خلال عدة مقوّمات:

مقومات تأسيس الأسرة

1- تعليمُهُمْ أمور الدِّينِ:

حَرَصَ النبي على تعليم أمّهات المؤمنينَ أمور دينهنَّ؛ فكانَ يدارسهنَّ القرآن، ويتعاهدهنَّ بالموعظة، ويصلي معهنَّ قيام الليل، وكان يخصص دروسًا للنساء؛ فتكون زوجاته أوّلَ الحاضرات، وقد ظهر أثر ذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حيثُ نُقِلَتْ كثير من الأحكام الشَّرعيّةِ عنْ أمهات المؤمنينَ رضوانُ اللهِ عليهِنَّ، وقدِ اعْتُبِرَتِ السّيّدةُ عائشةُ رضوان الله تعالى عليها من كبار حفاظ السنة النبوية بعد أبي هريرة وابن عمر وأنس بن مالك وابن عباس رضي الله عنهم جميعًا.

اقرأ أيضاً  الإمام البخاري أمير المؤمنين في الحديث

2- الاحترام المتبادل:

ثَبَّت النبي صلى الله عليه وسلم التعامل  بين الزوجين وجعله قائماً على الاحترام المتبادل بين أفراد الأسرة, فكان لا يُعَنِف, ولا يضرب، وما رفع صوته على أحد من أهل بيته، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ( ما ضرب رسول الله شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما)، وكان يستمع لرأي زوجاته ويحترمهنَّ ويقدر مشورتهُنَّ، فإن وجد فيها صوابا أخذَهُ، فقد أخذ برأي أم المؤمنين أم سلمة حينما أشارت عليه في صلح الحديبية، بعد أن شقّ على المسلمين العودة إلى المدينة دونَ عمرة، فتباطؤوا أملًا في أن يتراجع النبي صلى الله عليه وسلم عن شرط عدم العمرة في هذه السنة وأدائها في السنة القادمة، فأشارت عليه بأن يخرج ولا يكلَّمَ أحدًا من المسلمين، ويحلق شعرَه، وينحر هَدْيَهُ، فلما رآه المسلمون تسابقوا في طاعة أمره فنحروا هديهم وحلقوا رؤوسَهُمْ (ابن هشام).

 ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه: (خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قالَ لِي أُفٍ قط، وما قال لشيءٍ صنعتهُ لِمَ صنعته؟ ولا لشيء تركته لِمَ تركته؟) (الترمذي).

فكانَ تعامله مبنيَّاً على النصح والإرشاد والتوجيه على أساس الاحترام المتبادل والرّفْقِ.

3- الحكمة في إدارة الخلافات الزوجية:

الحياة الزوجيّةُ لا تخلو من الخلافات التي تنتهى وتزول إن عولجت بحكمةٍ وتَعَقُل، أو تزيدُ وتكبرُ إِنْ غابتِ الحكمةُ من الزوج في علاجها، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في إدارة وحل المشكلات الأسرية بحكمة وذكاء بالغ، وعلم الصحابة ذلك، فقد أمرَ الصحابة بالصبر على نسائهم وتحمُّلِهِنَّ مهما كانتْ طباعهُنَّ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: “لا يَفْرَك مؤمِنُ مؤمنة، إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر” (صحيح مسلم).

وروي البخاريُّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ عند إحدى نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنينَ صحفةً فيها طعام، فضربت التي كانَ النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم؛ فسقطت الصحفةُ فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفةِ، ثمَّ جعلَ يجمعُ فيها الطَّعامَ الذي كانَ في الصحفة (طبق)، ويقولُ: غارت أمكُمْ, ثمَّ أبقى الخادم حتى أتى بصحفةٍ من عندِ الَّتي هو في بيتها، فدفعَ الصَّحفةَ الصّحيحةَ إلى الَّتي كُسِرَتْ صحفتها، وأمسك المكسورة في بيتِ الَّتِي كَسَرَتْ).

اقرأ أيضاً  غزوة الأحزاب 5هـ

*إنّ الحكمة في إدارة الخلافاتِ الزّوجيّةِ بسبب إعطاءِ اللهِ تعالى للرّجل حقَّ القوامة على الزوجة فميَّز الله تعالى الرجل بصفات عقلية وجسدية لم تُعط للمرأة وجعل له حق القوامة ليستخدم هذه المميزات في إدارة شؤن الأسرة وحل الخلافات

المودة والرحمة داخل الأسرة

سيدنا محمد الله هو نبي الرحمة المهداة من الله تعالى للنّاسِ كافةً، وقد بنى علاقاته مع زوجاته وأهلِ بيته على المودة والرحمة، يروي أنس بن مالك رضي الله عنه جانبًا من هذهِ الرّحمةِ مع أم المؤمنينَ صفيّةَ رضي الله عنها، فيقولُ: « رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يحوي لها وراءَه بعباءة، ثمّ يجلس عند بعيره فيضعُ ركبته، فتضعُ صفيّةُ رِجلَها علَى ركبته حتى تركب» (رواه البخاري). وكان يوصي سعد بن أبي وقاص، فيقولُ:

( و إِنَّكَ مهما أنفقتَ منْ نفقة، فإنها صدقة، حتى اللقمة التي ترفعها إلى فِي امرأتِك) (رواه البخاري).

وروى النسائي أن أم المؤمنينَ صفية رضي الله عنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فتأخَّرتْ في المسير عنهم، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، وتقول: حملتني على بعير بطيء, فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بيديه عينيْها ويُسكِتُها, فأبت إلا بكاءً ).

زر الذهاب إلى الأعلى