Uncategorized ( محاور التربية الإسلامية)أحكام الإسلام

صلاة المسافر وأحكامها الشرعية

صلاة المسافر وأحكامها الشرعية

المقدمة:

الحمدُ للهِ الذي فَرَضَ الصلاةَ على عباده رحمةً بهم، وجعلها صِلَةً بين العبدِ وربِّه، وعمادَ الدين الذي لا يقوم إلا بها، فشرعها في جميع الأحوال والأزمان، في الحَضَرِ والسَّفَر، وفي الأمنِ والخوف، دلالةً على عِظَم شأنها ورفعة قدرها، والصلاةُ كانت وما زالت عمودَ هذا الدِّين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين.

ومن تمام رحمة الله تعالى وحكمته أن شرع في هذه الفريضة العظيمة رُخَصًا تُخفِّف عن المكلَّفين ما قد يطرأ عليهم من المشقّة، تحقيقًا لقاعدة التيسير التي قامت عليها الشريعة الغرّاء، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].

وكان من أبرز تلك الرخص: قصر الصلاة وجمعها في السفر، وهما من الأحكام التي تجلّت فيها سَماحة الإسلام واعتداله، إذ لم يُكلِّف المسافر بما يشق عليه، بل خفَّف عنه تفضُّلًا وامتنانًا، كما قال النبي ﷺ: «صدقةٌ تصدَّقَ اللهُ بها عليكم فاقبلوا صدقتَه»([1]).

ويُعَدّ بحثُ أحكام صلاة المسافر من الموضوعات الفقهية الدقيقة التي يحتاج إليها كل مسلم، لاسيّما في هذا العصر الذي كثُر فيه التنقّل وتنوّعت وسائله، مما جعل الحاجة ماسّة إلى معرفة ما يجوز وما لا يجوز في صلاة المسافر، من قصرٍ وجمعٍ، وإتمامٍ وقضاءٍ، ونوافلَ وتطوعٍ، على ضوء الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وفهم الأئمة الراسخين من أهل العلم.

ولأجل ذلك، جاء هذا البحث ليُبيّن جملةً من المسائل الفقهية المتعلقة بصلاة المسافر، مستندًا إلى النصوص المحكمة، والقواعد الأصولية المقرَّرة، في عرضٍ يجمع بين الدقّة والوضوح، والفقه والتأصيل، مع إبراز مقصد الشريعة في رفع الحرج وتحقيق التيسير لعباد الله.

تقسيمات البحث:

وتشمل مقدمةً، وسبعة مباحث، وخاتمة، وبيان ذلك فيما يأتي:

المقدمة: وفيها الافتتاحية، وبيان مكانة الصلاة وأهميتها، وذكر رحمة الله بعباده في تشريع الرخص للمسافرين، مع بيان أهمية موضوع صلاة المسافر، وشرح الغاية من هذا البحث ومضمونه العام.

المبحث الأول: قَصْرُ الصَّلاةِ في السَّفَرِ

  • المطلب الأول: تعريف قَصر الصلاة
  • المطلب الثاني: مشروعية القصر في السفر
  • المطلب الثالث: ما لا يُشرع قصره من الصلوات

المبحث الثاني: حُكم قصر الصلاة

المبحث الثالث: شروط قصر الصلاة

  • المطلب الأول: أن يكون السفر مسافة قصر
  • المطلب الثاني: عدم نية الإقامة في السفر
  • المطلب الثالث: أن يكون السفر مباحًا
  • المطلب الرابع: أن يكون قد فارق بلده
  • المطلب الخامس: دخول وقت الصلاة وهو في السفر
  • المطلب السادس: من أحرَم في الحضر ثم سافر، أو العكس
  • المطلب السابع: نية القصر

المبحث الرابع: قضاء الصلاة في السفر والحضر

  • المطلب الأول: قضاء صلاة الحضر في السفر
  • المطلب الثاني: قضاء صلاة السفر في الحضر

المبحث الخامس: إتمام المسافر إذا صلى خلف مقيم

المبحث السادس: ائتمام المسافر بمن يُشكّ في حاله (مقيم أو مسافر)

المبحث السابع: الجمع في السفر

  • المطلب الأول: معنى جَمْعِ الصَّلاةِ
  • المطلب الثاني: حُكمُ الجمْعِ في السَّفَر
  • المطلب الثالث: الأفضلُ في وقتِ الجَمْعِ للمُسافِرِ
  • المطلب الرابع: ما يُشترَطُ للجَمعِ في وقتِ الأُولى
  • المطلب الخامس: ما يُشترَطُ للجَمْعِ في وقتِ الثَّانيةِ
  • المطلب السادس: ما يَحرُم جَمْعُه من الصَّلواتِ

الخاتمة: وفيها ذكر أهم النتائج والتوصيات ذات العلاقة

المبحث الأول:

قَصْرُ الصَّلاةِ في السَّفَرِ

المطلب الأول: تعريف قَصر الصلاة

قَصْر الصَّلاةِ: خلافُ الإتمامِ، وهو أنْ تُصلَّى الصَّلاةُ الرُّباعيَّةُ رَكعتينِ([2]).

المطلب الثاني: مشروعية القصر في السفر

يُشرَعُ قَصرُ الصَّلاةِ الرُّباعيَّةِ في السَّفرِ، في الجُملةِ.

الأدلة:

أولًا: من الكِتاب

قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: 101].

ثانيًا: من السُّنَّة

1- «عَنْ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ، قالَ: قُلتُ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فقَدْ أَمِنَ النَّاسُ! فَقالَ: عَجِبْتُ ممَّا عَجِبْتَ منه، فَسَأَلْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عن ذلكَ، فَقالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بهَا علَيْكُم، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»([3]).

2- «عن ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: صحبتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكان لا يَزيدُ في السَّفرِ على ركعتينِ، وأبا بكر وعُمرَ وعثمانَ كذلك، رَضِيَ اللهُ عنهم»([4]).

3- « عن عبدِ اللهِ بن عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ الله يحبُّ أن تُؤتَى رُخَصُه، كما يُحبُّ أن تُؤتَى عزائمُه»([5]).

ثالثا: مِنَ الِإِجْماع

نقَل الإجماعَ على مشروعيَّة قَصْر الصَّلاةِ للمسافرِ: ابنُ المنذر([6])، وابنُ عبد البَرِّ([7])، وابنُ رُشد([8])، وابنُ قُدامة([9])، والنوويُّ([10])، وابنُ تَيميَّة([11]).

فَرْع: حُكمُ مَن سافَرَ ليترخَّصَ

لا يجوزُ إنشاءُ السَّفرِ من أجْلِ الترخُّصِ برُخَص السَّفرِ، من الإفطارِ في رمضان، وقَصْرِ الصَّلاة، ومَن أنشأ السَّفرَ لذلك لم يُبَحْ له الترخُّصُ؛ نصَّ على هذا فقهاءُ الشافعيَّة ([12])، والحَنابِلَة ([13])، واختارَه ابنُ القيِّم([14]).

وذلك للآتي:

أولًا: أنَّ السفرَ للترخُّصِ وسيلةٌ إلى الفِطرِ المحرَّمِ، وما كان وسيلةً إلى الحرامِ، فهو حرامٌ([15]).

ثانيًا: أنَّ التحيُّلَ على إسقاطِ الواجِبِ لا يُسقِطُه، كما أنَّ التحيُّلَ على المحرَّمِ لا يَجعله مباحًا([16]).

المطلب الثالث: ما لا يُشرَعُ قَصرُه من الصَّلوات

لا يُشرَعُ قَصرُ صلاةِ الصُّبحِ، ولا صلاةِ المَغربِ.

الدَّليل من الإجماع:

نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ المنذر([17])، وابنُ حزم([18])، وابنُ عبد البَرِّ([19])، وابنُ بطَّال([20])، وابن مُفلِح([21]).

المبحث الثاني:

حُكم قَصْرِ الصَّلاةِ

يُسنُّ قَصرُ الصَّلاةِ في السَّفرِ، وهذا مذهبُ الجمهور: المالِكيَّة([22])، والشافعيَّة([23])، والحَنابِلَة([24])، وبه قال أكثرُ العلماءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ([25]).

الأدلة:

أولًا: من الكِتاب

قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 101].

وَجْهُ الدَّلالَةِ:

أنَّ (لا جُناح) لا يُستعملُ إلَّا في المباح كما قال الشافعي؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198]، وقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: 236]([26]).

ثانيًا: من السُّنَّة

1- «عَنْ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ، قالَ: قُلتُ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فقَدْ أَمِنَ النَّاسُ! فَقالَ: عَجِبْتُ ممَّا عَجِبْتَ منه، فَسَأَلْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عن ذلكَ، فَقالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بهَا علَيْكُم، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»([27]).

وَجْهُ الدَّلالَةِ:

أنَّ قوله: ((صَدقةٌ تَصدَّق اللهُ بها عليكم دلَّ)) على أنَّ القَصرَ شُرِع في السَّفرِ رِفقًا بالعباد، وتخفيفًا عنهم، وأنَّه ليس بمعنى الحتْم، ولا إلزامَ فيه للمسافر؛ فقد أجمعتِ الأمَّة أنَّه لا يَلزم المتصدَّقَ عليه قَبولُ الصَّدقةِ ([28]).

2- «عن عبدِ الرَّحمنِ بن يَزيدَ قال: صلَّى بنا عُثمانُ بمنًى أربعَ ركَعات، فقِيل ذلك لعبد الله بن مسعودٍ، فاسترجع، ثم قال: صليتُ مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمنًى ركعتينِ، ثم صليتُ مع أبي بكرٍ بمنى ركعتينِ، وصليتُ مع عُمرَ بمنًى ركعتينِ، فليتَ حظِّي من أربعِ ركَعاتٍ ركعتانِ مُتقبَّلتانِ»([29]).

وَجْهُ الدَّلالَةِ:

أنَّه لو كان القَصرُ واجبًا لَمَا أتمَّ عثمانُ رَضِيَ اللهُ عنه، ولَمَا وافَقَه الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم على ذلِك([30]).

3- «عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: صَلَّى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِن خِلَافَتِهِ، ثُمَّ إنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعًا. فَكانَ ابنُ عُمَرَ إذَا صَلَّى مع الإمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا، وإذَا صَلَّاهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ»([31]).

المبحث الثالث:

شُروطُ قَصْرِ الصَّلاةِ

المَطْلَبُ الأَوَّلُ: أن يكونَ السَّفرُ مسافةَ قَصرٍ

الفَرْع الأوَّل: مِقدارُ مَسافةِ القَصرِ

اختَلف أهلُ العِلمِ في مِقدارِ مَسافةِ السَّفرِ الذي تُقصَرُ فيه الصَّلاةُ على أقوالٍ عِدَّة([32])، أقواها قولان:

القول الأوّل: أنَّ المسافةَ التي تُقصَرُ فيها الصَّلاةُ: أربعةُ بُرُدٍ (88 كم تقريبًا)، وهذا مذهبُ الجمهور: المالِكيَّة([33])، والشافعيَّة([34])، والحَنابِلَة([35])، وهو قولُ بَعضِ السَّلفِ([36])، وقولُ أبي يُوسفَ من الحَنَفيَّة([37])، وبه قال فُقهاءُ أصحابِ الحديثِ([38]).

الأدلة:

أولًا: من الآثار

1- عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: «يا أهلَ مَكَّةَ، لا تَقْصُروا في أقلَّ مِن أربعةِ بُرُد، وذلِك مِن مَكَّةَ إلى الطَّائفِ وعُسْفَانَ»([39]).

2- عن عَطاءٍ قال: «سُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ: أأَقْصُرُ الصَّلاةَ إلى عَرفَةَ؟ فقال: لا، ولكن إلى عُسْفانَ وإلى جُدَّة، وإلى الطَّائِفِ»([40]). قال مالكٌ: «بَينَ مَكَّةَ والطَّائِفِ وجُدَّة وعُسْفَانَ أَربعةُ بُرُدٍ»([41]).

3- عن عَطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ: «أنَّ ابنَ عُمرَ وابنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما كانَا يُصلِّيانِ رَكعتينِ، ويُفطِرانِ في أَربعةِ بُرُدٍ فما فَوقَ ذلِك»([42]).

4- عن سالِمٍ ونافعٍ، عن ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما: «أنَّه كان لا يَقصُرُ إلَّا في اليومِ التامِّ- قال مالك: وذلك أَربعةُ بُرُد»([43]).

وَجْهُ الدَّلالةِ من هذِه الآثارِ:

أولاً: أنَّ هذه أقوالُ صحابةٍ، وقول الصَّحابيِّ حُجَّةٌ، خُصوصًا إذا خالَفَ القِياسَ([44]).

ثانياً: أنَّ في هذا القَدْرِ تَتكرَّرُ مَشقَّةُ الشدِّ والتَّرحالِ، وفيما دونه لا تَتكرَّرُ([45]).

ثالثاً: أنَّها مسافةٌ تَجمَعُ مَشقَّةَ السَّفَر، من الحَلِّ والشدِّ؛ فجازَ القصرُ فيها، كمسافةِ الثَّلاثةِ الأيَّام، ولم يَجُز فيما دونها؛ لأنَّه لم يثبُتْ دليلٌ يُوجِبُ القَصرَ فيها([46]).

القول الثاني: أنَّ القَصرَ يجوزُ في أيِّ سَفرٍ، ما دام يُسمَّى سَفرًا، طويلًا كان أمْ قصيرًا، ولا حَدَّ له، وهذا مذهبُ الظَّاهريَّة([47])، وبعضُ الحَنابِلَةِ([48])، واختارَه ابنُ قُدامةَ([49])، وابنُ تَيميَّةَ([50])، وابنُ القَيِّمِ([51]).

الأدلة:

أولًا: من الكِتاب

قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: 101].

وَجْهُ الدَّلالَةِ:

أنَّ الآيةَ مُطلقَةٌ في قَصْرِ الصَّلاةِ في كلِّ ضَرْبٍ في الأرضِ، وليس فيها تقييدٌ بالمسافةِ أو بالزَّمَنِ([52]).

ثانيًا: من السُّنَّة

1- «عَنْ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ، قالَ: قُلتُ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فقَدْ أَمِنَ النَّاسُ! فَقالَ: عَجِبْتُ ممَّا عَجِبْتَ منه، فَسَأَلْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عن ذلكَ، فَقالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بهَا علَيْكُم، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»([53]).

2- «عن ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: صحبتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكان لا يَزيدُ في السَّفرِ على ركعتينِ، وأبا بكر وعُمرَ وعثمانَ كذلك، رَضِيَ اللهُ عنهم»([54]).

وجه الدَّلالةِ من هذه النُّصوصِ:

أنَّ الأحاديثَ مُطلقَةٌ وليس فيها تقييدُ القصرِ في السَّفرِ بمسافةٍ مُعيَّنة([55]).

ثالثًا: من الآثارِ

عن ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: «إنِّي لأُسافِرُ الساعةَ من النَّهارِ فأَقْصُر، يعني: الصَّلاةَ»([56])، وعنه أيضًا: «لو خَرجتُ مِيلًا قصرتُ الصَّلاةَ»([57]).

رابعًا: أنَّ نُصوصَ الكتاب والسُّنَّة ليس فيها تفريقٌ بين سَفَرٍ طويلٍ وسفرٍ قصير؛ فمَن فرَّق بين هذا وهذا فقَدَ فرَّق بين ما جمَع الله بينه، فرقًا لا أصلَ له من كِتاب اللهِ ولا سُنَّة رسولِه، فالمرجعُ فيه إلى العُرْف، فما كان سَفرًا في عُرْف النَّاسِ فهو السَّفَرُ، الذي عَلَّقَ به الشارعُ الحُكمَ([58]).

خامسًا: أنَّ السَّفَر لو كان له حَدٌّ لَمَا أَغفَل بيانَه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم([59]).

سادسًا: أنَّ حدَّه بالسَّيرِ أو بالأيَّام لا يَنضبِطُ؛ لأنَّه يتفاوتُ حسبَ سرعةِ الدَّابَّة ونوعِها، إلى غيرِ ذلك([60]).

سابعًا: أنَّه لا فَرْقَ بين سَفرِ أهل مكَّةَ إلى عرفةَ، حيث يَقصُرونَ الصلاةَ لذلك، وبين سَفرِ سائرِ المسلمينَ إلى قدْرِ ذلك من بلادِهم؛ فإنَّ هذه مسافةُ بَريدٍ، وقد ثبَت فيها جوازُ القَصرِ والجَمْعِ([61]).

المطلب الثاني: عدم نيةُ الإقَامَةِ في السَّفرِ

الفرع الأوَّل: حُكْمُ القَصْرِ لِمَن نوى الإقامَةَ

مَن نوَى الإقامةَ يَلزمُه الإتمامُ.

الدَّليل من الإجماع:

نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ عبد البر([62]).

الفرع الثاني: مُدَّةُ الإقامةِ التي تَقطَعُ السَّفَرَ إذا نواها

اختلَفَ العُلماءُ في مدَّة الإقامةِ التي تَقطَع السَّفَرَ إذا نَواها إلى عِدَّة أقوالٍ أقْواها ثلاث:

القولُ الأولُ: لا يَقْصُرُ المسافِرُ الصلاةَ إذا نوى الإقامةَ أربعةَ أيَّامٍ فأكثرَ، وهذا مذهبُ المالِكيَّة([63])، والشافعيَّة([64])، وروايةٌ عن أحمد([65])، وبه قال بعضُ السَّلَف([66])، واختارَه الطبريُّ([67]).

الدَّليلُ مِنَ السُّنَّةِ:

1- «عن العَلاءِ بنِ الحضرميِّ قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يُقيمُ المهاجرُ بمكَّةَ بعدَ قضاءِ نُسُكِه ثَلاثًا»([68]).

وجه الدَّلالةِ:

أنَّه كان يَحرُم على المهاجرين الإقامةُ بمكَّةَ؛ فالإذنُ في الثلاثةِ؛ ليقضوا حوائِجَهم، يدلُّ على بقاءِ حُكمِ السَّفرِ فيها، وأنَّ ثلاثةَ أيامٍ ليس لها حكمُ الإقامةِ، وأنَّ ما زاد عليها -وهي أربعةُ أيامٍ- تُعتبَرُ إقامةً لِمن نواها([69]).

القولُ الثاني: يَقصُرُ إذا أقامَ تِسعةَ عشَرَ يومًا، وإنْ زادَ أتمَّ، وهو قولٌ للشافعيِّ([70])، وهو قولُ ابن عَبَّاسٍ([71])، وإسحاق ابن راهَوَيه([72])، ووصَفَه الترمذيُّ بأقوى المذاهِبِ([73]).

الدَّليلُ مِنَ السُّنَّةِ:

1- «عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: أَقَامَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وإنْ زِدْنَا أتْمَمْنَا»([74]).

القولُ الثالث: أنَّ المسافِرَ يبقى على حكمِ السَّفرِ ما دام لم ينوِ الإقامةَ المطلقةَ أو الاستيطانَ، سواء نوى الإقامةَ أكثر من أربعة أيامٍ أو دونها، وهذا اختيارُ شيخِ الإسلام ابنِ تيميَّةَ([75])، وابنُ القَيِّمِ([76])، وبعضُ الحَنابِلَةِ([77]).

الأدلة:

أولًا: من الكِتاب

قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101].

وَجْهُ الدَّلالَةِ:

أنَّ الآيةَ جاءت عامَّةً في كلِّ من ضَرَب في الأرضِ، ولم يُقَيِّدها اللهُ بزمنٍ ولا بعددٍ من الأيام، فتبقى على عمومها في ثبوتِ رخصةِ القصرِ لكلِّ من صدق عليه اسمُ المسافرِ، طال مقامُه أو قصر. وقد قال تعالى: ﴿مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20]، والضربُ في الأرضِ يختلف طولُه بحسب الحاجةِ، فلو كانت المدةُ مؤثرةً لبيَّنها اللهُ سبحانه بيانًا واضحًا([78]).

ثانيًا: من السُّنَّة

1- «عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ»([79]).

2- «عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قَالَ: أَقَمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ»([80]).

3- «عن أنسِ بن مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه قَالَ: أَقَمْنَا مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ»([81]).

وجه الدَّلالةِ من هذه النُّصوصِ:

أنَّ النبيَّ ﷺ أقامَ مدَدًا مختلفةً تزيد على أربعةِ أيامٍ في أكثر من موضعٍ، ولم يُنقل عنه أنه أتمَّ الصلاةَ في شيءٍ منها، فدلَّ ذلك على أنَّ مجرَّد نيةِ الإقامةِ المؤقتةِ لا تُخرجه عن حكمِ السفرِ، إذ لو كانت المدةُ سببًا لوجوب الإتمامِ لبيَّنها النبيُّ ﷺ بيانًا شافيًا([82]).

ثالثًا: أنَّ التحديدَ بأربعةِ أيَّامٍ لا دليلَ عليه من الكتابِ ولا من السُّنَّةِ، فاللهُ تعالى لم يُبيِّن في كتابِه مدَّةً تنقطعُ بها أحكامُ السَّفر، كما أنَّ النبيَّ ﷺ لم يُحدِّد للمسافرين مدَّةً معينةً يُتمّون فيها، مع كثرةِ أسفارِه ﷺ وتنوُّعِ أحوالِه. ولو كانت الإقامةُ لأكثرَ من أربعةِ أيامٍ تُخرِجُ من حكمِ السفرِ لبَيَّنَها النبيُّ ﷺ بيانًا واضحًا، لأنَّ الأمةَ أحوجُ إلى معرفةِ هذا الحكمِ من غيره([83]).

رابعًا: أنَّ تحديدَ المدةِ مخالفٌ لعمومِ النصوصِ ومقاصدِ الشريعةِ في التيسير، لأنَّ الشارعَ علَّق الرخصةَ بوصفِ السفرِ لا بزمنٍ معينٍ، فمتى وُجد الوصفُ وُجد الحكمُ، ومتى انتفى انتفى، وهذا أيسرُ على الناسِ وأقربُ إلى مقصودِ الشارعِ في رفعِ الحرج، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].([84]).

خامسًا: أنَّ التحديدَ بمدةٍ معينةٍ بابٌ من أبوابِ التوقيف، ولا يجوزُ فيه الاجتهادُ بغيرِ نصٍّ، لأنَّ التحديدَ في الشريعةِ من حقوقِ الله تعالى لا يُتصرَّف فيه إلا بدليلٍ، كما قال ابنُ قدامةَ: “التحديدُ توقيفٌ، لا يُزادُ فيه ولا يُنقَصُ إلا بدليلٍ من الشرع.” فمن حدَّد ما أطلقه الشارعُ فقد زادَ في الدين ما ليس منه([85]).

سادسًا: أنَّ القولَ بالتحديدِ يُفضي إلى التكلُّفِ والمشقَّةِ، لأنَّ الناسَ تختلفُ أسفارُهم وأحوالُهم، فالتاجرُ قد يُقيمُ في البلدِ عشرةَ أيامٍ لحاجته، والعاملُ قد يحتاجُ أسبوعين لإتمامِ عملِه، والطبيبُ أو الطالبُ قد يطولُ مقامُه لأسبابٍ خارجةٍ عن إرادتِه، فإلزامُهم بالإتمامِ مع بقاءِ وصفِ السفرِ عليهم يناقضُ مقصدَ التيسيرِ في الرخصةِ([86]).

المَطلَبُ الثالث: أن يكونَ السَّفرُ مُباحًا

اختَلَف أهلُ العِلمِ في الترخُّصِ برُخَصِ السَّفر في سفرِ المعصيةِ، على قولين:

القول الأوّل: يُشترَطُ في الترخُّصِ برُخَصِ السَّفرِ، كقَصْرِ الصَّلاةِ، والإفطارِ في رمضانَ: أنْ يكونَ السفرُ مباحًا، فإنْ كان في سَفرِ معصيةٍ لم يُبَحْ له الترخُّصُ، وهذا مذهبُ الجمهور: المالِكيَّة([87])، والشافعيَّة([88])، والحَنابِلَة([89]).

الأدلة:                                   

أولًا: من الكِتاب

قال اللهُ تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: 3].

وَجْهُ الدَّلالَةِ:

أنَّه شرَطَ في الترخيصِ بالاضطرارِ إلى أكْلِ المَيتةِ كونَه غيرَ متجانفٍ لإثمٍ، ويُفهَمُ منه أنَّ المتجانِفَ لإثمٍ لا رُخصةَ له، والعاصي بسَفرِه متجانِفٌ لإثم، وهو أَوْلى بالمنعِ من المضطرِّ في المَخْمَصةِ([90]).

ثانيًا: أنَّ رُخَصَ السفر متعلِّقةٌ بالسَّفرِ، ومنوطةٌ به، فلمَّا كان سفرُ المعصيةِ ممنوعًا منه لأجْل المعصيةِ، وجَبَ أن يكونَ ما تَعلَّق به من الرُّخَص ممنوعًا منه لأجْل المعصيةِ([91]).

القولُ الثاني: كلُّ مسافرٍ له الترخُّصُ برُخَصِ السَّفرِ، من غيرِ تفريقٍ بين السَّفرِ المباحِ، وبين سَفرِ المعصيةِ، وهذا مذهبُ الحَنَفيَّة([92])، ورواية عن مالك([93])، وبه قال طائفةٌ من السَّلفِ([94])، واختاره ابنُ حزمٍ([95])، وابنُ تيميَّة([96])، وبعضُ الحَنابِلَةِ([97]).

الأدلة:

أولًا: من الكِتاب

قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: 101].

وَجْهُ الدَّلالَةِ:

أنَّ عمومَ الآيةِ تَقتضي الرُّخْصةَ في كلِّ ضاربٍ في الأرضِ من طائعٍ أو عاصٍ([98]).

ثانيًا: من السُّنَّة

1- «عَنْ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ، قالَ: قُلتُ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فقَدْ أَمِنَ النَّاسُ! فَقالَ: عَجِبْتُ ممَّا عَجِبْتَ منه، فَسَأَلْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عن ذلكَ، فَقالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بهَا علَيْكُم، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»([99]).

وَجْهُ الدَّلالَةِ:

أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلام لم يَخصَّ سفرًا من سفرٍ، بل عمَّ، فلا يجوزُ لأحدٍ تخصيصُ ذلك، ولم يجُزْ ردُّ صدقةِ اللهِ تعالى التي أمَر- عليه السَّلامُ- بقَبولِها؛ فيكون مَن لا يَقبَلُها عاصيًا([100]).

ثالثًا: أنَّ كلَّ صلاةٍ جاز الاقتصارُ فيها على ركعتينِ، استوى في فِعلها الطائعُ والعاصي كالجُمُعةِ([101]).

رابعًا: أنَّ للمقيمِ رُخصةً وللمسافرِ رُخصةً، فلو مَنَعتِ المعصيةُ من رُخصةِ المسافِرِ لَمَنَعتْ من رُخصةِ المقيمِ، فلمَّا جازَ للمقيمِ أن يترخَّص أيضًا، وإنْ كان عاصيًا، جاز للمسافِرِ أن يترخَّصَ أيضًا وإنْ كان عاصيًا([102]).

خامسًا: أنَّه لَمَّا جازَ للعاصي أن يتيمَّمَ في سفرِه إجماعًا، ولم تمنعْه المعصيةُ من التيمُّم، فكذلك لا تَمْنَعُه من سائرِ الرُّخَصِ كالقَصرِ وغيرِه([103]).

المَطْلَب الرابع: أن يكونَ قد فارَق بلَدَه

يُشترَطُ في قَصْر الصَّلاة في السَّفَر أنْ يكونَ قد خرَج من بيوتِ بلدِه، وفارَق عمرانَها، وترَكها وراءَ ظَهرِه، وهذا باتِّفاقِ المذاهبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ: الحَنَفيَّة([104])، والمالِكيَّة([105])، والشافعيَّة([106])، والحَنابِلَة([107])، وحُكيَ الإجماعُ على ذلك([108]).

الأدلة:

أولًا: من الكِتاب

قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: 101].

وَجْهُ الدَّلالَةِ:

أنَّه رتَّب القصرَ على الضَّرْبِ في الأرضِ، والكائنُ في البُيوتِ ليس بضاربٍ في الأرضِ؛ فلا يَقصُر([109]).

ثانيًا: أنَّه لَمَّا وجب عليه الإتمامُ إذا دخَلَ بنيانَ بلدِه عند قدومِه من سَفرِه إجماعًا، وجَب أنْ لا يجوزَ له القَصرُ في ابتداءِ خُروجِه قبلَ مُفارقةِ بُنيانِ بلدِه([110]).

ثالثًا: أنَّ المقيمَ في بلدِه وإنْ خرَج عن منزلِه لا يُسمَّى مسافرًا؛ لأنَّ المقيم قد يَخرُج من منزلِه للتصرُّفِ في أشغالِه، فلمْ يجُزْ له القصرُ؛ لعدمِ الشَّرْطِ المبيحِ له([111]).

المَطلَبُ الخامس: دخولُ وقتِ الصَّلاةِ وهو في السَّفَرِ

لا يُشترَطُ لقصرِ الصَّلاةِ في السَّفرِ أن يكونَ قد دخَلَ عليه الوقتُ وهو في سفَرٍ، فمَن سافَر بعدَ دُخولِ الوقتِ فله قصرُ الصَّلاةِ، وهذا مذهبُ الجمهور: الحَنَفيَّة([112])، والمالِكيَّة([113])، والشافعيَّة([114])، وروايةٌ عن أحمد([115])، وحُكيَ الإجماعُ على ذلك([116]).

وذلك للآتي:

أولاً: أنَّ الاعتبارَ في صِفةِ الصَّلاةِ بحالِ الأداءِ لا بحالِ الوجوبِ، وهذا في حالِ الأداءِ مسافرٌ؛ فوَجَب أن يَقصُرَ([117]).

ثانياً: أنَّه سافرَ قبلَ خروجِ وقتِها، أشبَهَ ما لو سافَرَ قبل وجوبِها([118]).

المَطلبُ السادس: مَن أحْرَم في الحضرِ ثمَّ سافَر، أو العَكْس

الفَرعُ الأوَّل: مَن أحْرَمَ بالصَّلاةِ في الحضَرِ ثمَّ سافَرَ

مَن أَحْرَمَ بالصَّلاةِ في الحضرِ ثم سافَرَ([119])، وجَب عليه أن يُتِمَّ الصلاةَ كالمُقيمِ.

الأدلة:

أولًا: مِنَ الِإِجْماع

نقَل الإجماعَ على ذلك: الماورديُّ([120])، والنوويُّ([121]).

ثانيًا: لأنَّها عبادةٌ اجتمع لها حُكمُ الحَضرِ والسَّفرِ؛ فغُلِّبَ حُكمُ الحَضرِ([122]).

ثالثًا: أنَّه ابتداءٌ للصَّلاةِ في حالٍ يَلزمُه إتمامُها، فلزِمَه الإتمامُ([123]).

الفرع الثاني: مُدَّةُ الإقامةِ التي تَقطَعُ السَّفَرَ إذا نواها

مَن أحْرَم في السَّفرِ ثمَّ أقامَ، وجَبَ أن يُتمَّها صلاةَ مقيمٍ؛ نصَّ على هذا فُقهاءُ الحَنَفيَّة([124])، والشافعيَّة([125])، والحَنابِلَة([126])، وحُكِيَ الإجماع على ذلك([127])؛ وذلك لأنَّها عبادةٌ اجتَمَع ل ها حُكمُ الحضَر والسَّفر؛ فغُلِّب حُكمُ الحَضَرِ([128]).

المَطلَبُ السابع: نِيَّةُ القَصرِ

القول الأوّل: أنَّ نيَّة القصرِ عند تكبيرةِ الإحرام شَرْطٌ لجوازِه، وهذا مذهبُ الشافعيَّة([129])، والحَنابِلَة([130])، وأحد القولين للمالكيَّة([131])، وبه قال أكثرُ الفقهاء([132])؛ وذلك لأنَّ الأصلَ الإتمامُ، فإذا لم يَنوِ القصرَ انعقَدَ إحرامُه على الإتمامِ؛ فلم يجُزْ القصرُ كالمُقيمِ([133]).

القول الثاني: أنَّ القصرَ لا يَفتقِرُ إلى نيَّة، وهذا مذهبُ الحَنَفيَّة([134])، وأحدُ القولينِ للمالكيَّة([135])، وروايةٌ عن أحمدَ([136])، واختاره ابنُ تَيميَّة([137]).

وذلك للآتي:

أولًا: أنَّ قَصرَ الصلاةِ في السَّفرِ هو الأصلُ؛ فلم يَفتقرْ إلى نيَّة([138]).

ثانيًا: أنَّه كما أنَّ المقيمَ لا يَلزمُه نِيَّةُ الإتمام، كذا المسافرُ لا يَلزمه نيَّةُ القصرِ([139]).

ثالثًا: لأنَّه لم يَنقُلْ قطُّ أحدٌ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه أمَرَ أصحابَه لا بِنيَّةِ قصْرٍ، ولا نِيَّة جمْع، ولا كان خلفاؤه وأصحابُه ولا التابعون يأمرون بذلك مَن يُصلِّي خَلفَهم مع أنَّ المأمومين- أو أكثرهم- لا يَعرِفون ما يَفعلُه الإمامُ([140]).

المبحث الرابع:

قضاءُ صَلاةِ السَّفرِ في الحضَرِ، أو العَكْس

المطلب الأوَّل: قضاءُ صلاةِ الحضرِ في السَّفرِ

مَن فاتتْه صلاةٌ في الحضَرِ قضاها في السَّفرِ تامَّةً، وهذا باتِّفاقِ المذاهبِ الفقهيَّة الأربعة: الحَنَفيَّة([141])، والمالِكيَّة([142])، والشافعيَّة([143])، والحَنابِلَة([144])، وحُكي الإجماعُ على ذلك([145]).

أولًا: أنَّ القضاء يَحكِي الأداءَ([146]).

ثانيًا: أنَّها وجبتْ في الوقتِ كذلك، وفاتتْه كذلك، فيُراعَى وقتُ الوجوبِ لا وقتُ القَضاءِ([147]).

ثالثًا: أنَّها ثبتَتْ في ذِمَّتِه تامَّةً؛ فيَجبُ قضاؤُها كذلك([148]).

المطلب الثاني: قضاءُ صلاةِ السَّفرِ في الحضَرِ

اختَلَف أهلُ العِلمِ فيمَنْ فاتتْه صلاةٌ في السَّفرِ فأراد قضاءَها في الحضَرِ على قولين:

القول الأوّل: مَن فاتتْه صلاةٌ في السَّفرِ قضاها في الحضَرِ مقصورةً، وهذا مذهبُ الحَنَفيَّة([149])، والمالِكيَّة([150])، وبه قال الشافعيُّ في القديمِ([151])، وهو قول عند الحنابلة([152]).

الأدلة:

أولًا: من السُّنَّة

1- «عن أنس بن مالك رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: من نسيَ صلاةً أو نام عنها فكفارتُه أن يُصليَّها إذا ذكرها»([153]).

وَجْهُ الدَّلالَةِ:

أنَّ الحديثَ يدلُّ على أنَّه يُصلِّي تلك الصَّلاةَ التي نسِيَها أو نام عنها بعينِها ووصْفِها، إنْ كانتْ مقصورةً فمقصورةً، وإنْ كانتْ غيرَ مقصورةٍ فغيرَ مقصورةٍ([154]).

ثانيًا: أنَّ القضاءَ يَحكي الأداءَ([155]).

ثالثًا: أنَّها وجبتْ في الوقتِ كذلك، وفاتتْه كذلك، فيُراعَى وقتُ الوجوبِ لا وقتُ القَضاءِ([156]).

رابعًا: أنَّها صلاةُ سفرٍ؛ فكان قضاؤُها كأدائها في العدَد كما لو فاتتْه في الحضَر فقَضاها في السَّفرِ([157]).

خامسًا: أنَّه إنما يَقضِي ما فاتَه، ولم يفته إلا ركعتان([158]).

القول الثاني: أنَّ مَن فاتتْه صلاةٌ في السَّفرِ فقَضاها في الحضرِ، وجَب عليه أن يُتمَّها، وهذا مذهبُ الشافعيَّة على الأصحِّ([159])، والحَنابِلَة([160])، وبه قال الأوزاعيُّ([161])، وداود الظاهريُّ([162]).

الأدلة:

أولًا: من السُّنَّة

1- «عن أنس بن مالك رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: من نسيَ صلاةً أو نام عنها فكفارتُه أن يُصليَّها إذا ذكرها»([163]).

وَجْهُ الدَّلالَةِ:

أنَّ الأمرَ بصلاتها إذا ذكرَها يدلُّ على أنَّه إنما وجبَتْ عليه في الحضَرِ حين ذكرَها، فيُتمُّها أربعًا([164]).

ثانيًا: أنَّه تخفيفٌ تعلَّق بعُذرٍ، فزال بزوالِ العُذرِ كالقُعودِ في صلاةِ المريضِ([165]).

المَبحثُ الخامس:

إتمامُ المُسافِرِ إذا صلَّى خلْفَ مُقيمٍ

مَن فاتتْه صلاةٌ في السَّفرِ قضاها في الحضَرِ مقصورةً، وهذا مذهبُ الحَنَفيَّة([166])، والمالِكيَّة([167])، والشافعيَّة([168])، والحَنابِلَة([169])، وهو مذهبُ عامَّة الفقهاءِ([170])، وحُكِي الإجماعُ على ذلك([171]).

الأدلة:

أولًا: من السُّنَّة

1- «عن مُوسَى بنِ سَلمةَ قال: كنَّا مع ابن عبَّاسٍ بمَكَّةَ، فقلتُ: إنَّا إذا كنَّا معكم صلَّيْنا أربعًا، وإذا رجَعْنا إلى رِحالنا صَلَّيْنا ركعتينِ، قال: تِلك سُنَّةُ أبي القاسِمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم»([172]).

وَجْهُ الدَّلالَةِ:

أنَّ قوله (السُّنة) يَنصرِفُ إلى سُنَّة رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم([173]).

2- «عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتمَّ به؛ فلا تَختَلِفُوا عليه»([174]).

وَجْهُ الدَّلالَةِ:

أنَّ مفارقةَ إمامِه اختلافٌ عليه، فلم يَجُزْ مع إمكانِ مُتابعتِه([175]).

ثانيًا: من الآثارِ

عن نافِعٍ قال: «كان ابنُ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنه إذا صلَّى مع الإمامِ صلَّاها أربعًا، وإذا صلَّى وحْدَه صلَّاها رَكعتينِ»([176]).

وَجْهُ الدَّلالَةِ:

أنَّ هذا فِعلُ ابن عُمرَ، وكذلك ورد عن ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه، ولا مخالفَ لهم من الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم([177]).

ثالثًا: أنَّه اجتمع ما يَقتضي القصرَ والتَّمامَ، فغُلِّب التمامُ، كما لو أحْرَم بها في السَّفرِ ثم أقام([178]).

المَبحَثُ السادس:

إذا ائتمَّ مسافرٌ بمَن يَشُكُّ فيه

اختلَف أهلُ العِلم في إتمام المسافِر وقصره للصلاة إذا ائتمَّ بمَن يشكُّ فيه؛ هل هو مسافرٌ أو مُقيمٌ؟ على قولين:

القول الأوّل: إذا ائتمَّ مسافرٌ بمَن يشكُّ في حاله؛ هل هو مسافرٌ أو مقيم، وجَب عليه الإتمامُ، وهذا مذهبُ الشافعيَّة([179])، والحَنابِلَة([180]).

وذلك للآتي:

أولًا: عدَم الجزمِ بكونه مسافرًا عندَ الإحرامِ([181]).

ثانيًا: أنَّ الأصلَ وجوبُ الصَّلاةِ تامَّةً، فليس له نِيَّةُ قَصْرِها مع الشكِّ في وجوبِ إتمامِها([182]).

القول الثاني: أنَّه يلزمُه الإتمامُ إذا أتَمَّ إمامُه، أمَّا إذا قصَر الإمامُ فلا يلزمه الإتمامُ، وهذا وجهٌ عندَ الشافعيَّة([183])، وقال به بعضُ الحنابلة([184])؛ وذلك لأنَّ الأصلَ في صلاةِ المسافِرِ القَصرُ، ولا يَلزَمُه الإتمامُ خَلْفَ الإمامِ إلَّا إذا أتمَّ الإمامُ، وهنا لم يُتمَّ الإمامُ([185]).

المبحث السابع:

الجمع في السفر

المطلب الأول: معنى جَمْعِ الصَّلاةِ

المُرادُ بجَمْعِ الصَّلواتِ: هو أن يَجمعَ المصلِّي بين فَريضتينِ في وقتِ إحداهما؛ إمَّا جمْعَ تَقديمٍ، وإمَّا جمْعَ تأخيرٍ.

والصَّلواتُ التي يجوز فيها الجَمْعُ هي: الظُّهرُ مع العَصر، والمغربُ مع العِشاءِ([186]).

المطلب الثاني: حُكمُ الجمْعِ في السَّفَر

يَجوزُ الجمعُ في السَّفرِ([187])، تقديمًا وتأخيرًا([188])، تقديمًا وتأخيرًا([189])، ومذهب الشافعيَّة([190])، والحَنابِلَة([191])، وبه قال جمهورُ العلماءِ مِن السَّلفِ والخَلَفِ([192]).

الأدلة:

أولًا: من السُّنَّة

1- «عن ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَجمَعُ بين المغرب والعشاء إذا جَدَّ به السَّيرُ»([193]).

2- «عن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا ارتحَلَ قبلَ أن تَزيغَ الشَّمس، أخَّرَ الظهرَ إلى وقتِ العَصرِ، ثم نزَلَ فجَمَعَ بينهما، فإنْ زاغتِ الشمسُ قبلَ أن يرتحِلَ، صلَّى الظهرَ ثم ركِب»([194]).

3- «عن معاذٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: خرَجْنا مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةِ تَبُوكَ، فكانَ يُصلِّي الظهرَ والعصرَ جميعًا، والمغربَ والعِشاءَ جميعًا»([195]).

4- «عن أبي جُحَيفةَ، قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَتَوَضَّأَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ.»([196]).

ثانيًا: أنَّه سفرٌ يجوزُ فيه القصرُ، فجاز فيه الجَمْعُ كالحجِّ([197]).

ثالثًا: أنَّه لَمَّا كان للسَّفرِ تأثيرٌ في تَرْكِ بعضِ الصَّلاةِ، فلأنْ يكونَ له تأثيرٌ في ترْكِ الوقتِ أَوْلى([198]).

المطلب الثاني: الأفضلُ في وقتِ الجَمْعِ للمُسافِرِ

الأفضلُ هو أن يَفعلَ المسافرُ الأرفقَ به، مِن تقديمٍ أو تأخيرٍ، وهذا مذهبُ الشافعيَّة([199])، والحَنابِلَة ([200]).

الأدلة:

أولًا: من الكِتاب

قال اللهُ تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]

ثانيًا: أنَّ الجَمْع إنَّما شُرِعُ رفقًا بالمكلَّف؛ فما كان أرفقَ فهو أفضلُ([201]).

ثالثًا: أنَّ الجَمْعَ مِن رُخَصِ السَّفرِ؛ فلم يختصَّ بحالةٍ كسائرِ رُخَصِه([202]).

المطلب الثالث: ما يُشترَطُ للجَمعِ في وقتِ الأُولى

الفَرْع الأوَّل: البَداءَةُ بالأُولَى

يُشترَطُ أنْ يبدَأَ بالأُولى من الصَّلاتينِ، أي: أن يَبدأَ بالظُّهرِ إذا جمَعَها مع العصرِ، وأنْ يَبدأَ بالمغربِ إذا جمَعَها مع العِشاءِ، وهذا باتِّفاقِ المذاهبِ الفِقهيَّة الأربعةِ: الحَنَفيَّة([203])، والمالِكيَّة([204])، والشافعيَّة([205])، والحَنابِلَة([206]).

الفرع الثاني: نِيَّةُ الجَمْعِ

النيَّةُ ليستْ شرطًا في جواز الجمْع، بل يُجزئ الجمعُ ولو لم يَنْوِه في الصَّلاةِ الأولى ما دام سببُه باقيًا، وهو مذهبُ الحَنَفيَّة([207])، وقولٌ للمالكيَّة([208])، وبه قال طائفةٌ من الشافعيَّة([209])، وقولٌ للحنابلة([210])، اختارَه ابنُ تيميَّة([211]).

وذلك للآتي:

أولًا: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا خرَج من المدينةِ صلَّى بهم بذِي الحُلَيفةِ العصرَ ركعتينِ ، ولم يأمرْهم بنيَّة قَصْرِ الصَّلاةِ([212]).

ثانيًا: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يُصلِّي بأصحابِه جمعًا وقصرًا، ولم يكُنْ يأمُرُ أحدًا منهم بنيَّةِ الجَمْعِ والقَصرِ([213]).

ثالثًا: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلَّى بهم الظهرَ بعَرفةَ ولم يُعلِمْهم أنَّه يُريدُ أنْ يُصلِّيَ العصرَ بعدَها، ثمَّ صلَّى بهم العصرَ ولم يكونوا نَوَوُا الجَمعَ([214]).

الفرع الثَّالِثُ: الموالاةُ بَينهُما

يُشترَطُ الموالاةُ بين الصَّلاتينِ لجوازِ الجَمْعِ في وقتِ الصَّلاةِ الأُولى، فإنْ فُصِلَ بَينهما بفاصلٍ طويلٍ لم يُجمَع، وهذا مذهبُ الجمهور: المالِكيَّة([215])، والشافعيَّة([216])، والحَنابِلَة([217]).

وذلك للآتي:

أولًا: أنَّ المأثورَ في السُّننِ هو الموالاةُ بين الصَّلاتينِ المجموعتينِ؛ ولهذا تُرِكتِ الرواتبُ بينهما([218]).

ثانيًا: أنَّ معنى الجَمْعِ المتابعةُ والمقارنةُ، ولا يحصُلُ ذلك مع التفريقِ الطَّويلِ([219]).

ثالثًا: لأنَّ الجَمْعَ يَجعلهما كصلاةٍ واحدةٍ، فوجبتِ الموالاةُ كركَعاتِ الصَّلاةِ([220]).

الفرع الرَّابِعُ: وجودُ العُذرِ المبيحِ عندَ افتتاحِ الصَّلاةِ

لا يُشترَطُ وجودُ العذرِ عندَ افتتاحِ الصَّلاةِ الأُولى، فإذا حصَل مطرٌ في أثناءِ الصَّلاةِ، فإنَّه يجوزُ الجمْعُ، ولو لم يكُنِ العذرُ موجودًا عند افتتاحِ الصَّلاةِ الأُولى، وهو قولُ بعضِ الشَّافعيَّة([221])، وبعضُ الحنابلة([222])؛ وذلك لأنَّ سببَ الجمْعِ موجودٌ عند افتتاحِ الصَّلاةِ الثانيةِ، ولأنَّ نيَّةَ الجمْعِ لا تُشترَطُ عندَ افتتاحِ الصَّلاةِ الأُولى([223]).

الفرع الخامِسُ: أنْ لا تكونَ الصَّلاةُ الأُولى صَلاةَ جُمُعةٍ

لا يجوزُ الجمعُ بين صلاتَيِ الجُمُعةِ والعَصر؛ نصَّ على هذا فُقهاءُ الحَنابِلَة([224])، وهو وجه للشافعية([225]).

وذلك للآتي:

أولًا: أنَّه قد وقَع المطرُ في عهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولم يجمعْ فيه بينَ العصرِ والجمعةِ، فدلَّ على أنَّه غيرُ مشروعٍ.

ثانيًا: أنَّ الجُمُعةَ صلاةٌ منفردةٌ مُستقلَّةٌ في شُروطِها، وهيئتِها، وأركانِها، وثوابِها([226]).

ثالثًا: أنَّ السُّنَّة إنَّما وردتْ في الجمْعِ بيْنَ الظُّهرِ والعَصرِ، ولم يرِدْ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه جمَعَ العصرَ إلى الجُمُعةِ أبدًا([227]).

المطلب الرابع: ما يُشترَطُ للجَمْعِ في وقتِ الثَّانيةِ

الفرع الأول: أنْ لا تكونَ الصَّلاةُ الأُولى صَلاةَ جُمُعةٍ

أن يكونَ تأخيرُ الصَّلاةِ إلى وقتِ الثانيةِ بنيَّةِ الجمْعِ في وقتِ الصَّلاة الأولى، وهذا مذهبُ الشافعيَّة([228])، والحَنابِلَة([229]).

وذلك للآتي:

أولًا: أنَّه متى أخَّرها عن وقتِها بلا نيَّة، صارتْ قضاءً لا جمعًا([230]).

ثانيًا: أنَّ التَّأخيرَ قد يكونُ معصيةً كالتَّأخيرِ لغَيرِ الجَمْعِ، وقد يكونُ مباحًا كالتأخيرِ له؛ فلا بدَّ مِن نيَّةِ تُميِّزُ بينهما([231]).

الفرع الثاني: استمرارُ العُذرِ

يُشترَطُ استمرارُ العُذرِ حتى دخولِ وقتِ الصَّلاةِ الثانيةِ؛ نصَّ على هذا فقهاءُ الشافعيَّة([232])، والحَنابِلَة([233])؛ وذلك لأنَّ تأخيرَ الصَّلاةِ الأُولى لا يجوزُ إلَّا مع استمرارِ عُذرِ الجمعِ([234]).

المطلب الخامس: ما يَحرُم جَمْعُه من الصَّلواتِ

لا يَجوزُ جَمْعُ الصُّبحِ مع غيرِها، ولا جمْعُ العَصرِ مع المغرِب.

الدَّليل من الإجماع:

نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ عبدِ البَرِّ([235])، وابنُ قُدامةَ([236])، والنوويُّ([237]).

الخاتمة

الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد؛ فقد تناول هذا البحث أهمَّ الأحكام المتعلقة بصلاة المسافر، من خلال جمع الأدلة من الكتاب والسنة، وعرض أقوال أهل العلم وبيان ارتباطها بمقاصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج. وقد ظهر من خلال هذه الدراسة ما لهذه المسائل من مكانةٍ في الفقه، وشدة الحاجة إلى ضبطها وإيضاحها للناس، لما يكثر وقوعها وتنوع صورها في هذا الزمان.

كما أبرز البحث جانبًا من عناية الشريعة بتنظيم أحوال المسافر وتخفيف المؤونة عنه، مما يدل على سعة هذا الدين ورحمته. والمأمول أن يسهم هذا العمل في تقريب أحكام هذا الباب وتسهيل فهمه، وأن يكون نافعًا لمن يطّلع عليه.

وقد توصّل البحث إلى عددٍ من النتائج، من أبرزها:

  1. ثبوت مشروعية قصر الصلاة في السفر بإجماع العلماء، وأنه سنة مؤكدة وليس واجبًا، لثبوت ذلك من فعل النبي ﷺ وخلفائه الراشدين.
  2. أن الصلاة التي تُقصر هي الرباعية فقط، أما الفجر والمغرب فلا قصر فيهما، وهو محل إجماع.
  3. أن مسافة القصر محل خلاف مشهور، وأقرب الأقوال ما اختاره كبار المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: أن العبرة بالعرف في تحديد السفر دون تحديد مسافة محددة.
  4. أن نية الإقامة مؤثرة في الحكم، وأن الراجح أن المسافر يبقى على حكم السفر ما لم ينوِ إقامة مطلقة أو استيطانًا، ولو طال مكثه لعذر أو حاجة.
  5. أن السفر المباح وغير المباح كلاهما تثبت فيه رخص السفر من قصر وجمع على الراجح؛ لأن النصوص جاءت عامة في كل من يضرب في الأرض.
  6. أن المسافر لا يقصر حتى يغادر بيوت بلده ويفارق عمرانها، وهو محل اتفاق.
  7. أن من دخل عليه وقت الصلاة في الحضر ثم سافر قبل أدائها فإنه يصليها مقصورة؛ لأن الاعتبار بحال الأداء لا بحال الوجوب.
  8. أن من صلى خلف إمام مقيم وجب عليه الإتمام، ولا يصح له القصر، وهو إجماع.
  9. أن الجمع في السفر رخصة ثابتة تُفعل عند الحاجة، ويُختار تقديمه أو تأخيره حسب الأرفق بالمسافر.
  10. أن شروط الجمع تختلف بين جمع التقديم وجمع التأخير، ومن أهمها: البداءة بالأولى في جمع التقديم، والموالاة بين الصلاتين، واستمرار العذر في جمع التأخير، وعدم جواز الجمع بين الجمعة والعصر.
  11. أن القضاء يحكي الأداء؛ فمن فاتته صلاة الحضر في السفر قضاها تامة، ومن فاتته صلاة السفر في الحضر فالراجح أنه يقضيها مقصورة كما فاتته.

وقد خلُص البحث – بعد استعراض مسائله – إلى عددٍ من التوصيات، من أهمها:

  1. تبسيط نشر فقه الرخص المتعلق بالسفر للناس؛ خصوصًا مع كثرة الأسفار وتنوع وسائلها، ليؤدي المسلم عبادته على علم وبصيرة.
  2. العناية بتعليم الطلاب والمجتمع قواعد الرخص والضرورات؛ لما فيها من بيان سماحة الشريعة ومقاصدها في التيسير ودفع الحرج.
  3. توجيه المسافرين للعمل بالأرفق لهم في مسألتي القصر والجمع؛ دون غلو أو تفريط، اقتداءً بهدي النبي ﷺ.
  4. تعزيز حضور فقه المقاصد وأصول الفقه عند تناول مسائل السفر؛ لما له من أثر في فهم النصوص وتنزيلها على النوازل المعاصرة.
  5. الموازنة بين أقوال العلماء عند الخلاف، مع تقديم ما يعضّده الدليل وتنضبط به القواعد الأصولية، بعيدًا عن التعصّب للرأي أو المذهب.

وبذلك تكتمل مباحث هذا البحث، بعد بيان ما يتعلق بصلاة المسافر من مسائل يحتاجها الناس في واقعهم، وفق ما دلت عليه النصوص واستقرت عليه أقوال أهل العلم. وقد سعى هذا العمل إلى جمع المعلومات وتحرير الأحكام بطريقة تُيسّر فهمها، وتُعين على تطبيقها على الوجه المشروع. ونسأل الله تعالى أن يجعل ما قُدِّم في هذا البحث نافعًا في بابه، وأن يكتب للباحثين وطلاب العلم التوفيق والسداد في إدراك الصواب والعمل به.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه الباحث: عبدالله محمد رصيص هاشم

([1]) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، (1/478) برقم: (686) من حديث عمر بن الخطاب t.

([2]) انظر: مقاييس اللغة، لابن فارس (5/96)، لسان العرب، لابن منظور (5/95)، الفقه الاسلامي وأدلته، للزحيلي (2/1338).

([3]) سبق تخريجه (ص: 2).

([4]) أخرجه البخاري في صحيحه، باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها، (2/45) برقم: (1102) من حديث عبدالله بن عمر y.

([5]) أخرجه أحمد في مسنده، مسند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، (10/107) برقم: (5866) من حديث عبدالله بن عمر y.

([6]) انظر: الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، لابن منذر (4/379، 396).

([7]) انظر: الاستذكار، لابن عبدالبر (2/218).

([8]) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد (1/166).

([9]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/188).

([10]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (3/322).

([11]) انظر: الاستذكار، لابن تيمية (24/31، 22/291).

([12]) انظر: تحفة المحتاج في شرح المنهاج، لابن حجر (3/430)، وينظر: المنثور في القواعد الفقهية، للزركشي (2/160).

([13]) انظر: حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع، لابن قاسم (3/375)، وينظر: كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي (1/506).

([14]) انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم (1/372).

([15]) انظر: حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع، لابن قاسم (3/375).

([16]) انظر: مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، لابنِ عثيمين (19/133).

([17]) انظر: الإجماع، لابن منذر (ص: 41).

([18]) انظر: المُحلَّى بالآثار، لابن حزم (2/18).

([19]) انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبدالبر (16/294).

([20]) انظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطَّال (3/85).

([21]) انظر: المبدع في شرح المقنع، لابن مفلح (2/100).

([22]) انظر: شرح الخرشي على مختصر خليل، للخرشي (2/57).

([23]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (2/358)، وينظر: الحاوي الكبير، للماوردي (2/358).

([24]) انظر: الإقناع، للحجاوي (1/181)، وينظر: العدة شرح العمدة، لبهاء الدين المقدسي (ص: 111).

([25]) انظر: الاستذكار، لابن عبدالبر (2/224)، وينظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/337).

([26]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/339).

([27]) سبق تخريجه (ص: 2).

([28]) انظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطَّال (2/10).

([29]) أخرجه البخاري في صحيحه، باب الصَّلاة بِمنى، (2/43) برقم: (1084) من حديث عبدالرحمن بن يزيد t.

([30]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/340).

([31]) أخرجه مسلم في صحيحه، باب قصر الصَّلاة بِمنى، (2/146) برقم: (694) من حديث عبدالله بن عمر y.

([32]) انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، للعيني (7/125).

([33]) انظر: الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي، للدسوقي (1/359)، وينظر: شرح الخرشي على مختصر خليل، للخرشي (2/56-57).

([34]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/323)، وينظر: الحاوي الكبير، للماوردي (2/360).

([35]) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي (2/223)، وينظر: الإقناع، للحجاوي (1/179).

([36]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/325).

([37]) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني، لبرهان الدين ابن مازه البخاري (2/22).

([38]) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي (5/195).

([39]) اخرجه ابن كثير في إرشاد الفقيه (1/182)، وابن الملقن في البدر المنير (4/542)، وابن حجر في التلخيص الحبير (2/553).

([40]) رواه ابن منذر في الأوسط (2262)، وصحَّحه ابن الأثير في مسند الشافعي (2/94)، وصحح إسناده النووي في المجموع (4/328).

([41]) انظر: الموطأ، لمالك بن أنس (1/148).

([42]) رواه ابن المنذر في الأوسط (2261)، وصحح إسناده النووي في المجموع (4/27)، والألباني في إرواء الغليل (3/17).

([43]) رواه مالك في الموطأ (2/204)، وعبدالرزاق في المصنف (2/525)، وصححه ابن حزم في المحلى (6/244).

([44]) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي (1/505).

([45]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/322).

([46]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/189).

([47]) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد (1/168)، وينظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدى تلاميذه، لابن تيمية (ص: 434).

([48]) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (24/15)، وينظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدى تلاميذه، لابن تيمية (ص: 434).

([49]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/190)، وينظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدى تلاميذه، لابن تيمية (ص: 434).

([50]) انظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدى تلاميذه، لابن تيمية (ص: 434)، وينظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (24/48-49).

([51]) انظر: زاد المعاد في هَدي خير العباد، لابن القيم (1/463).

([52]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/326).

([53]) سبق تخريجه (ص: 2).

([54]) سبق تخريجه (ص: 6).

([55]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/326).

([56]) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (8223)، وصحَّح إسنادَه ابنُ حجر في فتح الباري (2/660)، والألباني في إرواء الغليل (3/18).

([57]) أورده ابن حزم في المحلى (5/8)، وصحَّح إسنادَه ابنُ حجر في فتح الباري (2/660)، والصنعانيُّ في سبل السلام (2/63).

([58]) انظر: المُحلَّى بالآثار، لابن حزم (5/18)، وينظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (24/35).

([59]) انظر: المُحلَّى بالآثار، لابن حزم (5/21 رقم: 513).

([60]) انظر: المُحلَّى بالآثار، لابن حزم (5/16-18 رقم: 513).

([61]) انظر: المُحلَّى بالآثار، لابن حزم (5/18 رقم: 513)، وينظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (24/41).

([62]) انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبدالبر (16/305-306)، وينظر: الاستذكار، لابن عبدالبر (2/242).

([63]) انظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، للحطاب (2/503)، وينظر: الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، للنفراوي (1/32).

([64]) انظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين، للنووي  (1/384)، وينظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/361).

([65]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/188)، وينظر: فتاوى نور على الدرب، لابن باز (13/36).

([66]) انظر: الحاوي الكبير، للماوردي (2/371)، وينظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبدالبر (11/181).

([67]) انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبدالبر (11/181).

([68]) انظر: أخرجه مسلم في صحيحه، باب جواز الإقامة بمكة للمهاجر منها بعد فراغ الحج والعمرة ثلاثة أيام بلا زيادة، (2/985) برقم: (1352) من حديث العَلاءِ بنِ الحضرميِّ t.

([69]) انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبدالبر (11/158).

([70]) انظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح، لابن الملقن (8/431)، وينظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/362).

([71]) انظر: الاستذكار، لابن عبدالبر (2/247)، وينظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/362).

([72]) انظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح، لابن الملقن (8/431)، وينظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/362).

([73]) انظر: الجامع الكبير (سنن الترمذي)، للترمذي (2/431).

([74]) أخرجه البخاري في صحيحه، باب ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر، (2/42) برقم: (1080) من حديث عبدالله بن عباس y.

([75]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/379).

([76]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/379).

([77]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/379).

([78]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/375-376).

([79]) أخرجه أحمد في مسنده، مسند جابر بن عبد الله رضي الله عنه، (22/44) برقم: (14139) من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ t.

([80]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، باب المسافر يقصر ما لم يجمع مكثا ما لم يبلغ مقامه ما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح، (3/213) برقم: (5459) من حديث عبدالله بن عباس t.

([81]) أخرجه البخاري في صحيحه، باب مقام النبي ﷺ بمكة زمن الفتح، (5/150) برقم: (4297) من حديث أنسِ بن مالكٍ t.

([82]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/376-377).

([83]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/377-378).

([84]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/379).

([85]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/379).

([86]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/376).

([87]) انظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، للحطاب (2/487).

([88]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/343).

([89]) انظر: الإقناع، للحجاوي (1/179).

([90]) انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشنقيطي (1/279).

([91]) انظر: الحاوي الكبير، للماوردي (2/388).

([92]) انظر: حاشية رد المحتار على الدر المختار: شرح تنوير الأبصار، لابنِ عابدين (2/124).

([93]) انظر: المنتقى شرح الموطإ، للباجي (1/261).

([94]) انظر: الحاوي الكبير، للماوردي (2/387).

([95]) انظر: المُحلَّى بالآثار، لابن حزم (4/264).

([96]) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (24/109).

([97]) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي (ص: 197)، وينظر: اختيارات الشيخ ابن باز الفقهية وآراؤه في قضايا معاصرة، لخالد آل حامد (1/684)، وينظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/350).

([98]) انظر: الحاوي الكبير، للماوردي (2/387).

([99]) سبق تخريجه (ص: 2).

([100]) انظر: المحلَّى بالآثار، لابن حزم (4/267).

([101]) انظر: الحاوي الكبير، للماوردي (2/387).

([102]) انظر: الحاوي الكبير، للماوردي (2/387).

([103]) انظر: الحاوي الكبير، للماوردي (2/387).

([104]) انظر: حاشية رد المحتار على الدر المختار: شرح تنوير الأبصار، لابنِ عابدين (2/121).

([105]) انظر: شرح الخرشي على مختصر خليل، للخرشي (2/57).

([106]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/346-347).

([107]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/191).

([108]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/191)، وينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي (5/200).

([109]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/346).

([110]) انظر: الحاوي الكبير، للماوردي (2/368).

([111]) انظر: الحاوي الكبير، للماوردي (2/369).

([112]) انظر: البناية شرح الهداية، للعيني (3/33).

([113]) انظر: شرح الخرشي على مختصر خليل، للخرشي (2/58).

([114]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/368).

([115]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/209).

([116]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/209)، وينظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/369).

([117]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/368).

([118]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/209).

([119]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (1/488).

([120]) انظر: الحاوي الكبير، للماوردي (2/378، 381).

([121]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (1/488).

([122]) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي (1/510).

([123]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/366).

([124]) انظر: الفتاوى العالمكيرية المعروفة بالفتاوى الهندية، لجماعة من العلماء (1/144).

([125]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (1/490).

([126]) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي (1/510).

([127]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (1/490).

([128]) انظر: الحاوي الكبير، للماوردي (2/381).

([129]) انظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، للشربيني (1/270).

([130]) انظر: الإقناع، للحجاوي (1/181).

([131]) انظر: الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي، للدسوقي (1/367).

([132]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (1/353).

([133]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (1/351).

([134]) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (24/16).

([135]) انظر: الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي، للدسوقي (1/367).

([136]) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي (2/228).

([137]) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (24/16).

([138]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/371).

([139]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/371).

([140]) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (24/104).

([141]) انظر: حاشية رد المحتار على الدر المختار: شرح تنوير الأبصار، لابنِ عابدين (2/76).

([142]) انظر: الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي، للدسوقي (1/263).

([143]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/370).

([144]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/208).

([145]) انظر: الإجماع، لابن منذر (ص: 42).

([146]) انظر: حاشية رد المحتار على الدر المختار: شرح تنوير الأبصار، لابنِ عابدين (2/76).

([147]) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني (1/247).

([148]) انظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، للشربيني (1/263).

([149]) انظر: حاشية رد المحتار على الدر المختار: شرح تنوير الأبصار، لابنِ عابدين (2/76).

([150]) انظر: الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي، للدسوقي (1/263).

([151]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/366).

([152]) انظر: لقاء الباب المفتوح، لابن عثيمين (رقم اللقاء: 26).

([153]) أخرجه البخاري في صحيحه، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر ولا يعيد إلا تلك الصلاة، (1/122) برقم: (597) من حديث أنسِ بن مالكٍ t.

([154]) انظر: لقاء الباب المفتوح، لابن عثيمين (رقم اللقاء: 26).

([155]) انظر: حاشية رد المحتار على الدر المختار: شرح تنوير الأبصار، لابنِ عابدين (2/76).

([156]) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني (1/247).

([157]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/366).

([158]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/208).

([159]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/366).

([160]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/208).

([161]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/208).

([162]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/208).

([163]) سبق خريجه (ص: 20).

([164]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/208).

([165]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/366).

([166]) انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ، للزيلعي (1/213).

([167]) انظر: الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي، للدسوقي (1/365).

([168]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/356).

([169]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/209).

([170]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/209)، وينظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/357).

([171]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/341).

([172]) أخرجه أحمد في مسنده، مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، (3/357) برقم: (1862) من حديث موسى بن سلمة t.

([173]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/210).

([174]) أخرجه البخاري في صحيحه، باب إقامة الصف من تمام الصلاة، (1/145) برقم: (722) من حديث أبي هريرة t.

([175]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/210).

([176]) سبق تخريجه (ص: 8).

([177]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/210).

([178]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/355).

([179]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/357).

([180]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/210).

([181]) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي (1/510).

([182]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/210).

([183]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/357).

([184]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/369).

([185]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/369).

([186]) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت (27/287).

([187]) مع اختلافِهم في شروطِ السَّفر المبيح للجمع.

([188]) وذهب المالكية الشافعية والحنابلة إلى أن ترك الجمع أفضل. ينظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/336، 378).

([189]) انظر: الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي، للدسوقي (1/368).

([190]) انظر: تحفة المحتاج في شرح المنهاج، للهيتمي (2/393).

([191]) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي (2/5).

([192]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/200)، وينظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/371).

([193]) أخرجه البخاري في صحيحه، باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء، (2/46) برقم: (722) من حديث عبدالله بن عمر y.

([194]) أخرجه مسلم في صحيحه، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، (1/489) برقم: (704) من حديث أنس بن مالك t.

([195]) أخرجه مسلم في صحيحه، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، (1/490) برقم: (706) من حديث معاذ بن جبل t.

([196]) أخرجه مسلم في صحيحه، باب سترة المصلى، (1/361) برقم: (503) من حديث وهب بن عبدالله السوائي أبو جحيفة t.

([197]) انظر: الحاوي الكبير، للماوردي (2/393).

([198]) انظر: الحاوي الكبير، للماوردي (2/393).

([199]) انظر:المجموع شرح المهذب، للنووي (4/373).

([200]) انظر:كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي (2/7).

([201]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/396).

([202]) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي (2/7).

([203]) انظر: حاشية رد المحتار على الدر المختار: شرح تنوير الأبصار، لابنِ عابدين (2/505).

([204]) انظر: الذخيرة، للقرافي (2/376).

([205]) انظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، للشربيني (1/272).

([206]) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي (2/8).

([207]) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (24/51).

([208]) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (24/51).

([209]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/374).

([210]) انظر: الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (2/31).

([211]) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (24/51).

([212]) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (24/50).

([213]) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (24/50).

([214]) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (24/50).

([215]) انظر: الذخيرة، للقرافي (2/376).

([216]) انظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين، للنووي (1/397).

([217]) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي (2/240).

([218]) انظر: تحفة المحتاج في شرح المنهاج، لابن حجر (2/397).

([219]) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي (2/8).

([220]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/375).

([221]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/382).

([222]) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (10/425)، وينظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/401).

([223]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/401).

([224]) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي (2/21).

([225]) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه، للزركشي (7/78).

([226]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/402).

([227]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابنِ عثيمين (4/403).

([228]) انظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، للشربيني (1/273).

([229]) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي (2/9).

([230]) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي (2/9).

([231]) انظر: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، للرملي (2/279).

([232]) انظر: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، للرملي (2/278).

([233]) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي (2/9).

([234]) انظر: العدة شرح العمدة، لبهاء الدين المقدسي (ص: 109).

([235]) انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبدالبر (12/215).

([236]) انظر: المغني، لابن قدامة (2/201).

([237]) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (4/370).

زر الذهاب إلى الأعلى