أحكام الإسلام

فقه ترتيب الأعمال

فقه ترتيب الأعمال بحسب مقاصدها

لَمَا بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُعاذَ بنَ جَبَلٍ إِلى أَهْلِ الْيَمَنِ، قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَقْدُمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِليه أَنْ يَوَحدوا اللهَ تَعَالَى فَإِذَا عَرَفوا ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَذَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَواتِ في يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذا صَلَّوْا، فَأَخْبِرُهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنيْهِمْ، فَتْرَدُّ عَلَى فَقيرِهِمْ فَإِذا أَقَرُوا بِذَلِكَ، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ الناس). (رواه البخاري)

فالمصطلح الذي يمكنُ إطلاقه على ترتيب الأوامر الواردة في الحديث الشريف هو فقه ترتيب الأعمال بحسب مقاصدها.

مفهوم فقه ترتيب الاعمال ونشأتها

يُقصد بفقهِ ترتيب الأعمال: المعرفة والعلمُ بتقديم بعض الأعمال على بعض، وفقاً للأدلة المعتبرة. والدليل الذي يُبنى عليه الترتيب قد يكون نصا من القرآن والسنة، أو استنباطا عقليا مبنيـا عـلـى القياس وفهم مقاصد الشريعة وغاياتها.

أهمية دراسة فقه ترتيب الأعمال

لفقه ترتيب الأعمال فوائد كبرى على مستوى المجتمع والفرد, أنها تعين على:

1- حفظ مقاصد الشريعة: وذلك بمراعاة الضرورياتِ أولاً، وهي التي لا بدَّ منها لقيامِ مصالح الناس في الدين والدنيا، ثم الحاجيات التي تقوم على التَّوْسِعة والتيسير ورفع الحرج والمشقة، كتوفر السكن، ووسائل النقل، ثم التحسينات التي تحقق للإنْسانِ الرفاهية وسهولة العيــش فــي الدنيـا؛ كأخذ الزينة، والسفر للسياحة، ومن الخلل في تقدير الأمور تقديم التحسينات على الحاجياتِ، أو الحاجيات على الضروريات في مختلف جوانب الحياة.

2- توفير الجهد والوقت وتحقيق الكفاءة في الإنجاز: فالعلم بفقهِ ترتيب الأعمال يُحثنا على تحديد الأهداف وفق خطط مدروسة، وتخصيص الوقت اللازم لكل هدف، وبيان ما يجب أن يؤخر أو يقدّم، فلا يقدم اللعب والترفيـه مثـلا عـلـى صلة الرحم وطلب العلم.

3- ترتيب الأعمال حسب أهميتها: فالأحكام والقيم والأعمال متفاوتة في نظر الشرع، وليست كلها في درجة واحدة، فمن الأوامر نوافل وفرائضُ، ومن المحرّمات صغائر وكبائر وصغائر, فلا يقدم المهم على الأهم، لهذا كثرت أسئلة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال وأحبها إلى اللهِ تَعَالى، فالمسلمُ مطالب بالوصول إلى الأفضل في كلِّ ما يقوم به من أعمال الدنيا والآخرة.

اقرأ أيضاً  الجهاد في الله ( مفهومه وأنواعه)

4- تحقيق التقدم والازدهار: فإذا قام كل فرد في المجتمع بتحديد أولوياته، وأنجــز كـل عـمــل فــي الوقت المناسب والجهد اللازم، فإنَّ ذلك سيوحد طاقات المجتمع وجهوده، وبالتالي تحقيق أفضل النتائج، وتحقيق نهضة الأمة وتطورها.

نماذج من فقه ترتيب الأعمال

1- تقديم الفرائض على النوافل:

قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّـهَ قَالَ: مَنْ عادى لي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتَّى أُحِبَّـه) ( البخاري).

 فأفضل الأعمال ما افترضـه اللـه على عبادِهِ، يأتي بعد ذلك السُّنَنُ المستحبّة، ومن الأخطاء التي يقعُ بها بعضُ النَّاسِ حرصهم على النوافل والسننِ والتقصير في أداء الواجبات والفرائض، كمن يحرص ويواظب على قيام الليل ولا يحرص على الاستيقاظ مبكرًا لصلاة الفجر في وقتها.

فمن يمتنع عن دفع الزكاة, وينفق الأموال في الصدقة التطوعية لأداء الحج والعمرة.

فهذا غير صحيح لأن الزكاة فرض، والتطوع بالصدقة نافلة، فيجب حسب فقه ترتيب الأعمال أن يقدم الفرض على النافلة .

* ومن يُجْهِدُه الصّومُ نافلةٌ أثناءَ أدائه لعمله في وظيفته العامة، فيعطل مصالح النَّاسِ.

هذا غير صحيح لأن أداءه لوظيفته العامة، وتسيير مصالح الناس أهم من صوم النافلة إذا أجهده وأدى إلى مفسدة وهي مصالح الناس، فدرء المفاسد أولى من جلب الصالح.

2- تقديم المصلحة العامّة على المصلحة الخاصة:

بنى الإسلام تشريعاته على تأمين المصالح العامة التي يرجع نفعها على المجتمع، والمصالح الخاصة التي يرجع نفعها على الفرد، فإذا تعارضت المصلحة العامة مع الخاصة فتقدّم المصلحة العامة على الخاصة، مع تحقيق الاعتدال والتوازن ، هذا عثمان بن عفان رضي الله عنه في عام الرمادة – المجاعة – وقد اشتدَّ بالمسلمين الفقر والجوع، وقـد جـاءَتْ تجارته من الشام على ألفِ بعير محمّلة بالتمر والزيت والزبيب فجاءه تجار المدينة وقالوا له: تبيعنـا ونزيدك الدرهم درهمين؟ فقال عثمان بن عفان، لهـم: لقد بعتها بأكثـر مــن هـذا فقالوا: نزيدك الدرهم بخمسة فقال لهم عثمانُ : لقد زادني غيركُمُ الدرهم بعشرة، فقالوا له: فمن الذي زادَكَ؟ وليس في المدينة تجار غيرنا فقال لهم عثمانُ: لقد بعتها لله ولرسوله فهي لفقراء المسلمين.

اقرأ أيضاً  فرائض الصلاة وسننها ومكروهاتها

ولو حصل هذا مع تاجر عادي لوجد في هذا الموقف فرصة لا تعوض ليربـح أموالا طائلـة ولـو على حساب البطون الجائعة وهموم أصحاب الحاجاتِ  لكن سيدنا عثمان رضي الله عنه، قدم مصلحة المجتمع العامة على مصلحته الخاصة، وكذلك فعل أبو بكر، فقد تصدق بكل ماله في تجهيز جيش العُسْرة.

3- تقديمُ التخفيف والتيسير على التشديد والتعسير:

 إنَّ الشريعة الإسلامية كلها مبنية على التيسير ورفع الحرج:

 قال تعالى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ(185) (البقرة).

صورة لتقديم الأعمال من النصوص الشرعية

أ- تقديم اعتبار المشقة أو المرض على وجوب التطهر بالماء، قالَ تعَالَى: (وَإِن كُنتُمْ جُنَّبًا فَاظَهَرُوا وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (6) (المائد).

ب- تقديم التخفيف في صلاة الجماعة على الإطالة في الصلاة مراعاة لكبار السن، و المرضى والضعفاء،

قالَ رَسولُ اللهِ: ( إِذا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفَ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ والسَّقيمَ والكَبِير, وَإِذا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلُ ما شَاءَ) (رواه الشيخان).

ج- تقديم اعتبار مشقة السفر أو المرض على وجوب الصيام في رمضان، فيباح للمريض  والمسافر أن يفطر في نهار رمضان على أن يقضي صيام ما فاته بعد رمضان،  قالَ تَعَالَى: ( يا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ، أَيَّامَّا مَعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ, وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (البقرة).

4- عدم التسرع في اتخاذ القرارات ويجب تقديم التخطيط الهادف:

وهذا يدل على أن الإسلام يحث على المعاصرة، فالناس اليوم يعيشون في عصر يؤسس كلُّ شيءٍ فيه على العلم، فلم يعد يقبل الارتجال والعشوائية، ولا بد لأي عمل جاد من الدراسة والتخطيط، والاستعانة بالأرقام والإحصاءات والدراسات قبل التنفيذ، وهـذا مـن فقـه ترتيب الأعمال في الإسلام، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه – قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أحصوا لي كم يلفظ الإسلام» (رواه مسلم)، وفي رواية: ” اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام، فكتبناهم فوجدناهم خمس مائة وألفاً » مسند أبي عوان ، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان أول من أمر بعمل إحصائي منظم لمن آمن به بعد هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولقد ظهر أثر التخطيط في سيرته  في صور ومواقف شتّى، كالتخطيط في الهجرة النبوية، فالتخطيط أساس لأي عمل يراد إنجاحه.

اقرأ أيضاً  التسامح فى الدين الاسلامى

5 ترتيب الإنفاق:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فَضَلَ شَيءٌ فلأهلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيءٍ فلـذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا» (رواه مسلم).

ومثال ذلك: خرج مرّة عبد الله بن المبارك إلى الحج فاجتاز بعض البلاد، فمات طائر معهم، فأمر بإلقائه على مزبلة، فإذا جارية قد خرجت من دار قريبة فأخذتِ الطَّائر الميت ثمَّ لفَتَهُ ثُمَّ أَسرَعَتْ بِهِ إِلى الدّارِ، فَجَاءَ عبد اللهُ بنُ المبارك فسألها، فقالَتْ: أنا وأخي هنا ليس لنا شيء إلا هذا الإزار، وليس لنا قوت إلا ما يُلقى على هذه المزبلة( مكان جمع القمامة)، وقد أُبيحت لنا المِيْتَةُ منذ أيام.

أمرَ ابنُ المبارك برد الأحمال وقال لوكيله: كم معَكَ مِنَ النفقة؟ قال: ألف دينار، فقال: عـدَّ منها عشرين دينارًا الى مَرْوٍ وأعْطِها الباقي، فهذا أفضل وأولى مِنْ حجنا في هذا العام، ثم رجع.

كيفية ترتيب الأعمال

عنــد تعــارض المصالح بعضها مع بعض نقدّم المصلحة الأهم، كتقديم المصلحة العامــة علـى الخاصة.

وعند تعارض المفاسد بعضها مع بعض فإننا نختار أهـونَ الشّرين ( أخف المفسدتين)، كمـا حـدث لنبي الله يوسف عليه السلام، عندما اختار السجن على الوقوع في الفاحشة: ( قَالَ رَبِّ السَجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) (يوسف 33 ).

وعند تعارض المصالح مع المفاسد نأخذ بعين الاعتبار نتائج الأمور وعواقبها، فيمكن تقديـم فعل الصغائر لتحقيق مصلحة كُبرى أو تعطيل مصلحة لتجنّب مفسدة، مثل: قــرار الأطباء ببتر جزء مصاب بالغرغرينا من الجسم للحفاظ علـى حـيـاة بــاق الجسم.

ومن صورة فقـه ترتيب الأعمال قال تعالى: ( أَمَا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَ هُم مَّلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) (الكهف).

 اختار العبد الصالح أهون الشرين وأخف المفسدتين، فوجود أن عيبا بسيطا في السفينة أخف من فقدانها بمصادرتها والاستيلاء عليها غصبا وظلما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى