الوحي الإلهي ( قرآن وسنة )

 موسى نبي الله عليه السلام

 موسى نبي الله عليه السلام

روى البخاري -رحمه الله- في صحيحه، عن أبي بن كعب: أنه سمع رسول صلى الله عليه وسلم يقولُ: إِنَّ موسى قامَ خطيبًا ذات يوم في بني إسرائيل، فسأله أحد الناس: أَيُّ النَّاسِ أعلمُ ؟ فقال: أنا، فعَتَبَ اللَّهُ عليهِ؛ إذْ لم يردّ العلم إليهِ، فأوحى اللهُ عز وجل إِلى موسى: إنَّ لي عبدًا بِمَجْمَعِ البحرين ( ملتقى البحرين) هو أعلمُ مِنْكَ، قال موسى يا رب فكيف لي بهِ؟ قال: تأخذ معك حوتًا ( سمكة ) فتجعله في مِكْتَلٍ؛ فحيثما فقدتَ الحوتَ

( في المكان الذي تفقد فيه الحوت ) فهوَ ثَمَّ. فأخذ حوتًا فجعله في مكتل، ثم انطلق موسى، وأخذ معه بفتاه يوشَعَ بن نون.

 معاني المفردات الواردة في الآيات 60 : 82 من سورة الكهف

لا أَبْرَحُ:              لا أزال

نَصَبا:                  تعبًا مَعَ وَهَنِ      

حقبا:                 الزَّمَنُ الطَّوِيلُ

فَارْتَدا:                 فرجعا.

رُشدً:                 صوابًا أَرْشُدُ بِهِ.

لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا:      لم تُخْبَرُ حقيقَتَهُ.

ذكرا:                    خَبَرًا.

إمرا:                  الداهية العظيمة.

عسرا:                 ضيقًا وشدة.

زكية:                 بريئة (لم تعمل الخطايا).

بِتَأْوِيل:              بتفسير.

تجاوزا للحد:         طغينا.

الرحلة الأولى:

 بحث موسى عن الخضر

عرف موسى المكانَ الَّذي سيذهب إليه ويقصده، وحدَّدَ هدفَهُ، وأَعدَّ عُدَّتَهُ للرحلة ماديًا ونفسيا، وكذلك أعدَّ فتاه فقال  لفتاه يوشع بن نون سنذهب وسنقصد مجمع البحرين، ولا نرجع حتى نصل للهدف، سواءٌ  طالت الرّحلةُ أمْ َقصُرَتِ، أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا، فلا أزالُ ماضيا في هذا السَّفرِ حتَّى وصول الهدف، ولو مشيت زمنا طويلًا. فهذا الإعداد النَّفسي يزيد من عزيمة الإنسان، ويعين على تحملِ مشقَّةِ السَّفَرِ والاستمرار فيه.

– فالآيات ركزت على الأحداثِ الأساسية، ولم تذكر ما تعرّض له موسى وفتاه  من عناء السَّفرِ إِلَّا بَعدَ أَنْ بَيِّنتُ أنهما وصلا لهدفهما، وهذا إشارة إلى أنَّ المعاناة التي يجدها أصحابُ الأهداف العظيمة لا تذكر ولا تستحقُ الذكر فِي مقابل تلك تحقيق تلك الأهداف، ولذلك عبرتِ الآيات عن تلك المشقة والمعاناة بكلمة واحدة فقط، وهِيَ: «نَصَبَا» والسُّؤالُ الذي يَطرح نفسه هنا؛ لماذا وردت القصَّةُ هنا، وهي ليست من الأسئلةِ الثَّلاثةِ التي ذكرها الأحبار لوفد قريش ( الفتية، رجل طواف، الروح)  ذُكِرَت القصّة هنا  للرد على كلام ودعوى الأحبار، حيثُ عدوا الإجابة على أسئلتهم دليلًا على صدق نبوة محمد، وهذا الكلام ليس صحيحًا، فهذا موسى عليه السلام – وهو رسول من عند الله – لا يعلم كلّ شيء، ويوجد في زمنه من هو أعلم منه، ولم ينقص ذلك من مكانته شيئًا، ولم يشكك  الخضر بنبوته، فرسلُ الله عليهم السلام جميعًا، ما جاءوا لكشف حالات أو أحداث خاصة، بل جاءوا لتبليغ الرسالاتِ، وهدايةِ النَّاسِ إلى الطَّريقِ المستقيم، وهم أعلمُ النّاسِ بكل ما يتعلق بدعوتهم. وصل موسى وفتاه إلى صخرة على شاطئ البحر، فجلسا يستريحان من عناء السفر، فغلبهُمُ التَّعبُ والنُّعاسُ فناما، ثم انتبه يوشع بن نون ( فتى موسى عليه السلام ) فوجد الحوت الذي معهما قد قفز من متاعِهِمْ ( المكتل) إلى الماءِ وشقّ طريقه في البحر، وشق طريقه في البحر بوضوح، وكانت هذه العلامة التي كان ينتظرها موسى، فقال فتاه: سأُخْبرُهُ عندما يستيقظ  لكنه نسي، فأكْمل موسى والخضر سيرهما بقيَّةَ يومهما وليلتهما، إلى أنْ شعرا بالتَّعبُ في اليوم التالي، وقد تجاوزا ( تخطيا ) المكان المقصود، فطلب موسى الله من فتاه أنْ يُحْضِرَ لهما الطَّعامَ، فتذكر يوشع ما حدث، قال: لقد نَسيتُ أنْ أخبركَ أَنَّ الحوت قد قفز من المكتل إلى الماء عندَ الصَّخرة التي كنا نستريح عندها، وكان انطلاقه في البحر مثيرًا للعجب، وبرَّرَ نسيانَهُ ( بعدم إخباره ) بأَنَّهُ مِنَ الشَّيطانِ، وَكَأَنَّهُ يخاف غضب نبي الله موسى .

اقرأ أيضاً  قصة صاحب الجنتين

 لكنَّ الَّذي حصل العكسُ، قَالَ ( ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبَغِ)، فرجعا يَقْتفيانِ أتْرَهُما في الطَّريقِ؛ للوصول إلى الصخرة، فوجدا رجلا مسجى بثيابه، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « فسلَّم عليه موسى. فقال له الخَضِرُ: ( أَنَّى بأرضك السَّلامُ؟ قال: أنا . قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نَعَمْ . قال: إنَّك على علم من علمِ اللهِ علَّمكه الله لا أعلمه. وأنا على علم من علمِ اللهِ علَّمنيه لا تعلمه)  ومن هنا تبدأ الرّحلةُ الثَّانيةُ رحلةُ موسى والخضر – عليهما السّلامُ.

– فموسى عليه السلام تجاوز كل الاعتبارات في  سبيل طلب العلم، تجاوز النظرة الاجتماعية، كونه رسولا و يتعلم من شخص غير معروف، ترك قومه و هو رسولهم و تجاوز البعد والمشقة.

– عَرَفَ الخَضِرُ الله موسى ، ولم يعرفُ موسى الخضر،

عرفه بوحي من الله تعالى، وموسى رسول الله فهو مشهور والخضر ليس له رسالة و هو غير مشهور

الرّحلة الثانية:

التقاء موسى بالخضر

استأذن موسى الخضرَ أنْ يرافقَهُ ليعلِّمَهُ ممَّا عَلَّمَهُ اللهُ تعالى، قال الخضر وقد أشفق على موسى منْ شدَّةِ ما سيلاقيه، ومن غرابة ما سيراهُ: ( إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)، وكيف تصبر على أشياء لم تعلم مقاصدها، حتَّى وإن كانت تصدرُ عن شخص زكّاه ربُّه، وهذا منَ الرَّحمةِ الَّتي جعلها الله في قلب الخضرِ، ( ءاتيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا ) قال موسى للخضر سأصبرُ إِنْ شاءَ اللهِ ولَنْ أخالف أمرَكَ.

 واستثنى موسى  في كلامه مع الخضر كي لا يأثم ( إن شاء الله )، فقال الخضرُ لموسى: أما وقدْ عَرَفْتَ وقَبلْتَ، فشرطي ألا تسألني عن شيء أقوم به حتّى أكلمك عنه وأبادر وأخبرك من تلقاء نفسي. ووافق موسى عليه السلام على ذلك؛ بدليل أنه ركب مع الخضر السفينة ويسيران ليعبرا البحر، فأمسك الخضر أحد ألواح السَّفينة فكسره، فلما رأى موسى عليه السلام ذلك، قال للخضر: ( أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) لقد فعلتَ أمرًا سيئا وفظيعا، قال الخضر لموسى بتلطَّف: ( أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا) مذكرًا نبيَّ اللهِ موسى عليه السلام بالشَّرط، قال: لا تؤاخذني ( وكأنه يعتذر للخضر) هذهِ المُرَّةَ ولا تَزِدْ عليَّ من قسوة ( من هول ما يرى لأنه لا يستوعب ما يحدث )ما أرى، وعاملني بالعفو واليسر، ولا تحاسبني على ما نسيتُ من العهد الذي بيننا.

اقرأ أيضاً  الحلال بَيِّن

وتستمر الرحلة، ووجد الخضر غلامًا صغيرًا فقتله، فقال موسى: أتقتل نفسا بريئة بغير ذنب اقترفته؟ إِنَّ هذا أمر تنكرُهُ الشَّرائعُ والأعرافُ بينَ النَّاسِ، وفي شريعة موسى أنَّ القتل يكونُ للقاتل عمدًا، والذي ينفّذُ ذلك الحاكم أوْ مَنْ يُنيبُهُ، فقال الخضرُ : ( قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) والزيادة في الكلام زيادة في المعنى، فعرف موسى أنه أثقل على الخضرِ عندما خالف الاتفاق للمرَّةِ الثَّانية: ( قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبْنِي) فقدْ قَبِلْتَ عذري إلى الآنَ، فمِنْ قِبَلِي: لا بأس عليك بعدها ألا تصحبني معك؛ لأنَّ المؤمنينَ عندَ شروطهم، والشَّرطُ بينهما واضح. وتابعا الخضر وموسى رحلتهما، فمرًا بقرية، وكانوا بحاجة للطَّعام، فطلبوا من أهلها الاستضافة فرفض أهل القرية أنْ يُضَيِّفوهم، وامتنعوا عن تقديم الطَّعامَ لهم، فإكرامُ الضَّيفِ واجب في العرف والشَّريعة، فلما هَمَّا بالخروج من القرية رأى الخضرُ حائطا مائلاً قارَبَ على الانهيار، فرممَهُ وعَدَلَهُ، فقال موسى للخضر لو أردتَ لأخذْتَ أجرة عملك الذي يستحق ذلك، وهنا وصلتِ الرّحلةُ نهايتها. قال صلى الله عليه وسلم: ( يرحم الله موسى ، لوددنا لو صبر حتَّى يقص علينا مِنْ أمرهما » (رواه البخاري).

– يقصد بمفهوم المشيئة هو أن يقول المتكلم إن شاء الله فيما يخبر به مستقبلا، فيعفى بذلك المتكلم من الكذب والحنث.

– السَّفينةُ لم تغرق بفعل الخضرِ، لأن فعل الخضر حدث في جزء من السفينة وكان ذلك بعلم وأمر من الله تعالى، فالنتيجة مضمونة لأنها بأمر الله وهي الحفاظ على السفينة، وإذا وصلت السفينة سليمة إلى الملك فالنتيجة أن الملك سيأخذها ويخسر أصحابها مالهم.

خاتمة الرّحلة:

توضيح الخضر لموسى عليه السلام الأمور الثلاثة

قال الخضر لنبي الله موسى – عليهما السلام – هذا الَّذِي قُلْتَهُ فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، وسأحدثك بمقاصدِ ما حدث أمامك ولم تستطع الصَّبرَ على ما شاهدت:

اقرأ أيضاً  الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم

 أما السفينة:

 فهي لأناس ضعفاء، يتكسبون من كدهم بها، ولا يستطيعون حمايتها، وكانَ في وَجْهِتِهِمْ ملك يأخذُ كل سفينة صالحة دون مقابل، فعِبَثتُها قاصدًا ذلك، حمايةً لها ولأصحابها من أمر الملك.

وأما الغلام:

 فإنَّ والدَيْهِ كانا مؤمنَيْنِ، ولقد عَلِمْتُ منَ اللهِ تعالى، أنه سيكون فتنةً لوالدَيْهِ، حَتَّى إِنَّه سيضطرهما إلى الكفر، وموتُه نجاة لهما من الكفر، ونجاةٌ لهُ من العذاب، وأردتُ أنْ يرزقَهُما اللهُ ولدًا صالحًا يكونُ مطيعا لهما وباراً بهما، ويعينُهُما على إيمانهما، ولا يجوز لأحد أن يفعل مثل فعل الخضر؛ لأن هذا خاص بالخضر.

 وأما الجدار:

 فكان لولدين يتيميْنِ وكان أبوهما رجلا صالحًا، وقد وضع تحت ذلك الجدار مالًا لولديه الصغيرين، ولذلك سويت الجدار حفاظا على كنز اليتيميْنِ، وربُّك أراد أن يَبْلغا سنَّ الرُّشدِ ويكبرا فيحصلان على مالهما، فالله عز وجل حَفِظَهما وحَفِظَ مالَهُما بصلاح أبيهما، وكلُّ ما شاهدت وسمعت كانَ بأمر الله تعالى ورحمتِهِ، وبهذا ردَّ الخضر العلم إلى الله وتعالى، ( وأنا على علم من علمِ اللهِ عَلَّمَنيه لا تعلمُهُ ).

حكم كنز الأموال في الإسلام

– كَنْزَ الأموالِ في الإسلامُ غير جائز؛ لأنَّهُ يحرم المجتمعَ منَ التَّنمية والازدهار، ويُقَلِّلُ مِنْ فرص العمل، فاستثمار الأموالِ يزيدُ مِنْ قُوَّةِ اقتصادِ المجتمع والفرد والدولة، ويرفع مكانتها بين الأمم, أما ما فعله والد الصغيرين اليتيمين فقد كان ذلك جائزا في شريعتهم.

 الفرق بين علم موسى وعلم الخضر

– أن علم موسى عليه السلام في أمور الرسالة والشريعة من أجل تنظيم حياة الناس وهداية قومه جميعا وهو علم عام يجب فيه البلاغ.

– أما علم الخضر متعلق ومختص بأمور الحياة ومصالح بعض الناس، وهذا خاص بالخضر لا يجب فيه التبليغ.

– الدروس والعبر من قصَّةِ موسى والخضر عليهما السّلام:

1- الصبر على طلب العلم.

2- الاستعداد الجيد للتعلم والاستفادة.

 3- الثقة بالمعلم.

4- البحث وبذل الجهد.

5- التروي وعدم التسرع بالأحكام.

6- الالتزام بالاتفاق.

7- العمل عن علم.

زر الذهاب إلى الأعلى